بقلم : محمد نجم
دفعتهـا.. فتدافعـت مشى القطاة إلى الغدِير
أحبهـــا.. وتحبنـى ويحب ناقتهــا بعيرى
أعجبنى هذين البيتين للشاعر الجاهلى المنخَّل اليشكرى.. ودفعانى للبحث عن قصة قائلهما وأشعاره الأخرى.. فاكتشفت أنه صاحب مأساة يجب أن تروى للأجيال الجديدة.
وكانت البداية مع النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وكان يحب الشاعر النابغة الذبيانى واتخذه نديما له، وتصادف أن شاهد النابغة زوجة النعمان مارية بنت الأسود والتى اشتهرت بـ «المتجردة» وكانت شديدة الجمال وصاحبة حسن ودلال.. حيث سقط أحد أزرار ثوبها فمالت إلى الأرض تلتقطه.. وشاهدها الشاعر.. فأنشد:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتنــــاولته واتقتنا باليد
بمخضب رخص البنان كأنـــه عنقود من فرط الحلاوة يعقد
نظرت إليك بحاجة لم تقضهـــا نظر السقيم إلى وجود العود
فى تلك الفترة أيضًا التحق الشاعر المنخَّل اليشكرى بمعية الملك النعمان.. ولكنه لاحظ أن الأخير يفضل النابغة عليه.. فسعى ضده ووشى به وأسمع الملك ما قاله عن زوجته وهو ما يعتبره العرب تشبيب غير مقبول.. وشعر النابغة بما يحاك ضده فهرب إلى الشام، حيث الفزازين الذين كلموا النعمان فيه فعفا عنه واضطر النابغة للاعتذار بقصيدة مشهورة بدايتها: يادار مية فالعليا فالسند..
أما شاعرنا المنخَّل وكان فتى عتيًا جميل الوجه حسن الطلعة.. فقد خلى له المكان.. ووقع فى حب المتجردة زوجة النعمان.. التى بادلته حبا بحب.. وتهامس القوم حول العلاقة.. حتى أنهم كانوا يتهامسون بأن أولاد المتجردة من النعمان يشبهون المنخَّل اليشكرى.
وبالطبع وصلت تلك الهمسات إلى النعمان.. فأمر بالقبض عليه وتسليمه إلى مسئول سجنه يسمى عكب وأمره بتعذيبه وإحراق جثته وأن يذرى رمادها فى الرياح حتى لا يتعرف أحد على مكان قبره، وقبل أن يلقى المنخَّل حتفه ناشد قومه أن يأخذوا بثأره ممن قتلوه.. وفى هذا قال:
ألا مــــن مبلــغ الحيين عنى بأن القــــــوم قد قتلوا أبيا
وإن لم تثأروا لى من عكب فلا رويتم أبدًا صديــــا
والمشكلة أن النعمان لم يكتف بقتل المنخَّل وإحراق جثته، بل أصدر أمرا بأن كل من يذكر المنخَّل أو يردد قصائده يوقع عليه نفس الجزاء، وقد نجحت خطة النعمان فى القضاء على كل أثر لهذا الشاعر باستثناء قصيدة «فتاة الخدر» بل إنه أصبح مضرب المثل فيمن يذهب ولا يعرف مصيره.
وقد قال الشاعر ذو الرمة فى ذلك:
تقارب حتى تطمع التابع الصبا وليست بأدنى من إياب المنخَّل
وكذلك الشاعر النمر بن تولب:
وقولى إذا ما أطلقوا عن بعيرهم تلاقونـه حتى يؤوب المنخَّل
أما قصيدته «فتاة الخدر» فقيل إنه قالها فى هند بنت عمر شقيقة الملك عمرو بن هند، وقيل إنها هند بنت النعمان وكانت شديدة الجمال.. والراجح أنها فى الأولى، حيث حفظها الرواة قبل أن يلتحق المنخَّل بديوان الملك.. ويلقى حتفه هناك.
والقصيدة يعدها النقاد من عيون الشعر العربى لجزالة ألفاظها ووضوح معانيها ولغتها الشعرية الراقية وإيقاعها الموسيقى الجميل، وقد استلهم معانيها وصورها الموحية شعراء كثر منهم وضاح اليمن وعمر بن أبى ربيعة حديثا على الجارم.
والقصيدة من ثلاثة مقاطع، الأول منها يحكى عن شجاعة الشاعر وقومه وكلهم من فرسان الخيل الملازمين لظهورها مرتدين لدروعهم استعدادا للإغارة على الأعداء.. وينتهى هذا الجزء بإشادة الشاعر بنفسه، حيث يقول إذا حل الجدب وجدتنى أدور بقدح على كل من فى البيت قريبا أو غريبا:
وإذا الريـــــــــاح تنــــاوحت بجـــــوانب البيت الكسير
ألفيتنــى هـــش اليديــــــن بمر قدحـــى أو شجيرى
ثم يأتى المقطع الثانى.. وهو أساس القصيدة، حيث يدخل على فتاته فى مخدعها فى يوم مطير.. ويصفها.. ثم يحكى ما دار من حديث بينهما وأن حبه لها من العمق حتى أن ناقتها - بالعدوى - حبت جمله:
ولقد دخلت على الفتــاة الخــدر فـى اليـوم المطـير
الكـاعب الحســناء ترفــل فـى الدمقس والحرير
فدفعتهــا.. فتدافعت مشـى القـطاة إلـى الغديــر
ولثمتهـــا فتنفـست كتنفـس الظبــى الغريـــــر
فدنت.. وقـالت: يا منخَّـل ما بجســـمك من حرور؟
ما شف جسمى غير جسمك، فاهدئى عنى وسيرى
وأحبهــا.. وتحبنــى ويحــب ناقتــهــا بعيرى
ويختم الشاعر قصيدته بما يسمى بخيالات النشوة، واصفا حاله وحال الشعراء جميعا عندما يجنح بهم الخيال، فيتصور نفسه الملك النعمان صاحب قصر الخورنق وسرير الملك، وعندما يفيق من الخمر يعود لطبيعته.. شاعرا فقيرا لا يملك سوى شاة وبعير.
يارب يـــوم للمنخَّـــل، قـد لهــا فيـه قصير
ولقد شربت الخمر بالخيل الإناث وبالذكور
ولقد شربت الخمر بالعبد الصحيح وبالأسير
ولقد شربت من المدامة بالصغير وبالكبير
فـإذا أنتشيت فإننـى رب الخـــورنق والسرير
وإذا صحــوت فإننى رب الشــــويهة والبعير
يا هنـد مـن لمتيم يا هند.. للعـــانى الأسير؟



