بقلم : محمد نجم
و ابن زياد بن معاوية بن ضباب من قبيلة ذبيان، يعده النقاد أحد أمراء الشعر وزعماء القول.. فقد كان من أحسن الشعراء ديباجة وأكثرهم رونقًا فى الكلام وأجزلهم فى أبيات الشعر، وكنى بالنابغة لسببين: الأول وهو الأرجح.. لأنه لم ينطق بالشعر إلا بعد ما بلغ من العمر أرذله وشاب الشعر منه، فقد نبع الشعر منه فجأة بعد مشيبه، كما أن شعره تميز بالجودة والفصاحة والقوة فى اللفظ وحسن التعبير.. لدرجة أن شعراء عصره وعلى رأسهم الخنساء والأعشى وحسان بن ثابت وغيرهم اختاروه «محكما» ومرجعا لهم، حيث كانت تنصب له «قبة» من الجلد فى سوق عكاظ.. ويأتيه الشعراء ليعرضوا شعرهم عليه.. فيقيمه ويجيزه.. ويعطى لكل شاعر رتبته بين أنداده.
أما السبب الثانى: فقد قيل إنه سمى بالنابغة لأنه قال هذا البيت فى إحدى العشائر:
وحلت فــى بنى القــين ابن جسر
فقــــد نبغت لنا منهم شئـــون
المهم أنه نبغ على قومه ومعاصريه بالشعر فى نهاية عمره.. فتسيد قومه، واحتكم إليه شعراء عصره.
وكعادة الشعراء فى ذلك العصر (الجاهلى) مدح النابغة ملوك الحيرة فى العراق (المنازرة) وملوك الغساسنة فى الشام وغيرهم من الأمراء والشيوخ.
ولكن المحطة الأساسية فى حياته الشعرية.. أنه كان صديقا ونديما للنعمان بن المنذر ملك الحيرة الملقب بأبو قابوس وقال فيه شعرا كثيرا.. كان النعمان يستحسنه دون سواه ويجزل له العطاء بسببه.. ومنها:
متوج بالمعالى فوق مفرقـــــه
وفى الوغى ضيغم فى صورة القمر
أخلاق مجد تجلت مالها مثل
فى البأس والجود بين الحلم والخفر
ولكنه تغزل بزوجة النعمان «المتجردة» وكانت شديدة الجمال، وكانت على علاقة بشاعر آخر هو المنخل اليشكرى، وقال فيها النابغة عندما أسقطت زرار جلبابها:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
فتناولتـــه واتقتنا باليــــد
نظرت إليك بحاجة لم تقضهـا
نظر السقيم إلى وجـود العود
وكانت هذه القصيدة سببا فى أن وشى به (غيرة وحسدا) شعراء الملك الآخرون ومنهم عبد القيس التميمى ومرة السعدى.. واستشهدوا ببعض أبيات أخرى قالها فى المتجردة.. ومنها قوله:
زعــم الهمـــام بأن فاها بــــارد
عــذب مقبله شـــهى المــــورد
زعم الهمـــــــام ولم أذقه بأنه
عذب متى ما ذقتــه قلت: أزدد
هذا إلى جانب أبيات أخرى.. مثل قوله:
وإذا طعنت فى مستهـــدف
رامى المجســـة بالعبير مقرمد
وإذا نزعت عــن مستحصف
نزع الحـــــــزور بالرشا المحصد
وإذا يعض تشده أعضــــاؤه
عض الكبير من الرجــال الأدرد
وقالوا للملك.. لا يصف هذا الوصف الباطن إلا من جرب! فغضب النعمان على النابغة وهم بقتله ولكنه تمكن من الهرب وذهب إلى ملوك الغساسنة فى الشام واحتمى بهم وقال فيهم شعرا كثيرا.. ومنه:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فــوقهم
عصائب طير تهتدى بعصائب
جــــــــوانح قد أيقن أن قبيلة
إذا ما التقى الجيشـان أول غالب
لا عيب فيهم غير أن ســــيوفهم
بهن فلــــول من قراع الكتائب
توارثن من أزمان يـــــوم حليمة
إلى اليوم قد جربن كل التجارب
حيث أشار فى مدحه للغساسنة على انتصارهم على المناذرة، حيث قتل الحارث بن شمر ملك عرب الشام (الغساسنة) المنذر بن المنذر ملك عرب العراق (المناذرة) ونسبت المعركة إلى (حليمة) بنت الحارث بن أبى شمر، لأنها كانت تحرض عسكر أبيها على القتال، ويزعم بعض المؤرخين أنه بسبب شدة القتال.. ارتفع الغبار فى ذلك اليوم، وتكاتف حتى سد عين الشمس.. وظهرت الكواكب!
وقد زعم المؤرخون أن الخليفة أبو بكر الصديق كان يقدم النابغة على غيره من الشعراء، وكان يقول إنه أحسنهم شعرا وأعذبهم بحرا، كما أن الخليفة عمر بن الخطاب أيضا كان يصفه بأشعر الناس.. وكان دائما يردد ما قاله النابغة ومنه.. قوله:
إلى ابن محــــرق أعملت نفسى
وراحلتى وقـــــد هدت العيــون
أتيتك عاريـــــــــا خلقا ثيابى
على خوف تظن بى الظنــــون
فــــوفيت الأمــــــانة لم تخنها
ومن يك فى نصــابك لا يخون
ولكن طوال ملازمة النابغة لملوك الغساسنة.. ناله ما ينال مصاحب السلطان، فلم يصف له العيش بينهم بعد موت ممدوحه الحارث بن عمرو الغسانى، فقد تنكر له خلفه بسبب سوء العلاقة بينه وبين قوم النابغة (ذبيان) وحلفائهم بنى أسد، وهو ما دفعه لأن يعود إلى بلاده وقومه فى الحجاز، ويستعيد ذكرياته مع ملوك المناذرة وأعطياتهم السخية، وما كان له عندهم من منزلة وتكريم، فعاوده الحنين للعودة إليهم فأنشد القصائد فى مدحهم.. والاعتذار لهم، والتنصل مما أشاعه عنه خصومه وحساده، ولجأ لأصدقائه من زعماء قبائل فزارة ليتشفعوا له عند الملك النعمان.. وكان يعلم أن الملك لا يرد لهم شفاعة.. فصفح عنه.. ومنحه ما تعود من أعطيات..
ومن ثم كانت قصائده الشهيرة بالاعتذاريات.. ومنها القصيدة التى مطلعها:
يا دار ميــة بالعليــــــــاء فالسند
أقوت وطــــال عليها سالف الأمد



