بقلم : محمد نجم

اعتقد البعض خطأ أنه بمجرد انتهاء الاستفتاء والموافقة على الدستور.. سوف تنقلب الدنيا رأسًا على عقب، بمعنى اختفاء مؤسسات قائمة.. وظهور هيئات جديدة تنفيذا لما استحدثه الدستور الجديد، خاصة فى باب الهيئات المستقلة.
ويبدو أن هذا البعض قد نسى أن الدستور عبارة عن "وثيقة" توافق عليها الأغلبية فى المجتمع وتتضمن المبادئ الأساسية للحريات والحقوق والتوجهات السياسية والاقتصادية للدولة وتشكل الحكم فيها، فضلا عن تحديد الاختصاصات الأساسية لسلطات الدولة الثلاث (التشريعية - والتنفيذية – والقضائية).
أى أن الدستور يخاطب المشرّع فى الأساس.. حيث عليه – أى المشرّع – أن يحول تلك المبادئ والتوجهات والأحكام الأساسية إلى نصوص قانونية عامة ومجردة وقابلة للتطبيق والتنفيذ.. بحيث تخاطب الكافة ولا يعذر الجهل بها فيما بعد.
بمعنى آخر.. فالدستور لا ينظم بشكل تفصيلى الحقوق والواجبات لأفراد المجتمع.. إنما تنظمها القوانين المختلفة طبقًا لمهنة كل فرد أو طبيعة نشاطه الذى يمارسه، كما أن المحاكم لا تفصل فى النزاعات المعروضة عليها طبقًا لما جاء بالدستور.. إنما طبقًا للقوانين التى تنظم الوقائع الخاصة بالمنازعة.. وعلى المحكمة فقط أن تراعى أن هذه القوانين لا تخالف الدستور، وإذا طعن أمامها بذلك فعليها أن تحيلها للمحكمة الدستورية للفصل فى مطابقة النص المطعون فيه مع الدستور من عدمه.
وعلى سبيل المثال تنص المادة السادسة من الدستور على أن النظام السياسى فى الدولة يقوم على مبادئ الديمقراطية والشورى والمواطنة.. والتداول السلمى للسلطة.. إلخ.
فهذا النص الدستورى بمثابة توجيه وإطار حاكم للمشرع لإعداد مشروعات قوانين جديدة.. أو إعادة النظر فى القوانين السارية التى تحقق تلك المبادئ والتوجهات ومنها قوانين الانتخابات وممارسة الحقوق السياسية، وكذلك قانونى مجلسى النواب والشورى.. وكذلك قانون الأحزاب.. إلى آخر تلك المنظومة القانونية المعروفة.
وأيضًا النص الدستورى الوارد فى المادة 76 من الدستور والذى يقول:(العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص دستور أو قانونى، ولا عقوبة إلا بحكم قضائى، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون).
فهذا النص أيضًا عبارة عن مبادئ عامة لا تجب مخالفتها وهو يتعلق بكافة القوانين العقابية السارية.. وكذلك القوانين التى تحدد اختصاصات المحاكم المختلفة ودرجاتها الأعلى، فهو إذن يتعلق بقانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية.. وكذلك قانون المرافعات.. والقانون المدنى.. وغيرها من القوانين التى تمكن محاسبة أى مواطن على مخالفة نصوصها!، فمثلا المادة 77 من الدستور نصت فى إحدى فقراتها على أن ينظم القانون استئناف الأحكام الصادرة فى جنحة أو جناية، والوضع الحالى كان يسمح فقط باستئناف الجنح فقط.. وكان يُنظر الطعن أمام محكمة الجنح المستأنفة، أما الجنايات فكان يكتفى بالطعن على الحكم الصادر فيها أمام محكمة النقض فقط، والآن أصبحنا أمام درجة جديدة فى التقاضى.. وهى إمكانية استئناف أحكام الجنايات.. وهو ما يعنى إعادة النظر فى النصوص القانونية المنظمة للطعن فى الأحكام.. وهكذا.
فالدستور هنا كان واضحًا فى الإشارة إلى عدم الاكتفاء بما ورد فيه من أحكام، إنما أناط بالمشرّع إصدار قانون لتنظيم هذا التوجه الجديد المستحدث.
وكذلك عندما ينص الدستور فى المادة 52 منه على أن ينظم القانون النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديمقراطى وتحديد مواردها وطريقة مساءلة أعضائها.. إلخ.
فهناك أيضًا أناط الدستور بالقانون تنظيم إنشاء النقابات المهنية وكيفية ممارسة نشاطها وحقوق وواجبات أعضائها، ولكن وضع مجموعة من الأحكام لا تجب مخالفتها فى القانون الذى سيصدر فى هذا المجال.. منها الإدارة على أساس ديمقراطى أى يتم اختيار مجلسها بالانتخاب، وألا تكون لأية مهنة سوى نقابة واحدة.. وعدم جواز حل مجلس إدارتها إلا بحكم قضائى وعدم فرض الحراسة عليها.. ومن الملاحظ أن الدستور المصرى هنا أخذ بما يسمى بوحدة العمل النقابى.. وليس بمبدأ التعدد كما كان يدعو له أحد الوزراء السابقين.. وتسبب فى إثارة الفوضى النقابية فى المجتمع باختراع ما يسمى بالنقابات المستقلة!
وما سبق كان مجرد أمثلة أن العبرة بالقوانين التى تصدر مفسرة ومنظمة للقواعد الدستورية.. ولكن أحيانًا ما يتضمن الدستور أحكامًا انتقالية لظروف خاصة ومؤقتة.. ومنها مثلًا ما ورد فى الفصل الثالث من الباب الخامس والمتعلق بالأحكام الانتقالية، حيث نصت المادة 230 على أن يتولى مجلس الشورى القائم بتشكيله الحالى سلطة التشريع كاملة من تاريخ العمل بالدستور حتى انعقاد مجلس النواب الجديد وتنتقل إلى مجلس النواب فور انتخابه.. السلطة التشريعية كاملة لحين انتخاب مجلس الشورى الجديد، على أن يتم ذلك خلال سنة من تاريخ انعقاد مجلس النواب فهذا نص آمر.. كما يقول فقهاء القانون.. أى واجب التطبيق الفورى ولا يتطلب إصدار قانون، لأنه حكم انتقالى مرتبط بفترة زمنية معينة، وأعتقد أن الجميع يفهم أسباب ذلك!
ختامًا.. لقد حاولت توضيح أن الدستور لا يخاطب الأفراد، إنما يخاطب المشرّع أولا ومؤسسات الدولة ثانيًا.. حيث تلقيت كأمين عام للمجلس الأعلى للصحافة اتصالات عديدة من بعض الزملاء الصحفيين.. يعلمونى فيها أنهم بصدد إخطار المجلس الأعلى بالصحف الجديدة التى يزمعون إصدارها طبقًا للدستور الجديد الذى أجاز فى المادة 49 منه إصدار الصحف بالإخطار لكل شخص مصرى طبيعى أو معنوى، ولكنى أوضحت لهم أن الدستور وحده لا يكفى للحصول على هذا الحق.. إنما الأمر يتطلب تعديل القانون السارى فى هذا المجال وهو قانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996، فمازال هذا القانون وحده هو الذى ينظم إصدار الصحف الجديدة وأيًا كانت ملكيتها أو مكان ترخيصها.. محليًا أو أجنبيًا!
ولقد حاولت فى هذا المقال إعادة الشرح والتوضيح.. ولكن بشكل أوسع.. لعل وعسى!



