بقلم : محمد نجم

قرار جبهة الإنقاذ بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة ليس جديدا بالنسبة للمهتمين بالشأن السياسى أو للرأى العام المصرى بصفة عامة.. حيث إنه إجراء "تكتيكى" دائما ما تلجأ إليه القوى المعارضة عند أى استحقاقات انتخابية جديدة، وهو ما حدث بالفعل فى انتخابات مجلس الشعب عامى 2005 و2011، حيث تستخدم المعارضة هذا "التكتيك" للحصول على مزيد من الضمانات.. لإجراء انتخابات برلمانية شفافة ونزيهة، فضلا عن محاولات الضغط على حزب أو أحزاب الأغلبية المؤتلفة لإتاحة بعض الدوائر أمام قادة المعارضة- بدون منافسة - ليترشحوا فيها أو ليرشحوا عليها كوادرهم الراغبة فى عضوية مجلس النواب الجديد. وهو أمر مفهوم.. ومقبول فى اللعبة السياسية.. ويحدث فى جميع الانتخابات العامة.. سواء المحلية منها أو الأجنبية،وهو ما يفسح الطريق دائما للاتصالات السرية واللقاءات الخاصة لعقد ما يسمى بالصفقات الانتخابية.. والتى تستهدف أن يأتى المجلس التشريعى ممثلا لكافة طوائف الشعب وأحزابه وتياراته السياسية المختلفة.
ولكن مشكلة جبهة الإنقاذ المصرية.. أن المراقب الخارجى يحسبهم "جميعا" ولكن المتابع محليا.. يعلم تماما أن "قلوبهم شتى" أى أنهم ليسوا على خط واحد.. سياسيا أو فكريا.. وأن تحالفهم المؤقت.. مرهون بانتهاء الانتخابات.. والغرض منه.. هو الحد من سيطرة الإخوان ومن يتحالف معهم من الأحزاب الدينية من السيطرة على البرلمان.. وما يتبعه ذلك من تشريعات موجهة تصدر عنه.
وهو هدف.. أيضا مقبول.. وضرورى من الناحية السياسية والمجتمعية.. ولكن مشكلة جبهة الإنقاذ أيضا أنها لا تكمل للآخر.. حيث سرعان ما يدب الخلاف بين أعضائها.. وما أسرع ما ينفرط عقدها بدون أية نتائج حقيقية على أرض الواقع.. ولعلنا جميعا تابعنا الخلاف الدائر حاليا بين عمرو موسى رئيس حزب المؤتمر.. وحمدين صباحى قائد التيار الشعبى، فالأول راغب فى الحوار والثانى مُصرَّ على المقاطعة.. وهو ما يمثل مشكلة للحزب العريق "الوفد" والذى يعد رمانة الميزان.. لاستمرار الجبهة أو انفراط عقدها.. فالحزب الأقدم سياسيا والأكثر خبرة فى هذا المجال يتنازعه أيضا تياران.. أحدهما يدعو لدخول المنافسة والآخر يطالب باستمرار الضغط والتمسك بالمقاطعة.
وفى رأيى أن بعض من يطالبون باستمرار المقاطعة يستندون على ما يحدث فى بورسعيد وبعض مدى القناة من عصيان مدنى إجبارى.. وهو سند لن يدوم طويلا.. وتابعنا فى الأيام القليلة الماضية تخافت الدعوة للعصيان وعودة الحياة تدريجيا إلى طبيعتها الأولى فى مدن القناة وعلى رأسها بورسعيد.. كما كانت قبل الأحداث الأخيرة.
ثم إن مشكلة جبهة الإنقاذ.. للمرة الثانية.. أن قادتها حديثو العهد بممارسة السياسة على أرض الواقع.. نعم كلهم مصريون أفاضل وتولوا مناصب مرموقة محليا وعالميا.. ولكن العمل التنفيذى شىء.. والعمل مع الجماهير فى الشارع شىء آخر.. كما أن أحزابهم لم تقم على عقيدة.. ولم تنشأ عن تيار سياسى أو اتجاه فكرى معين.. أسوة بالأحزاب ذات المرجعية الدينية.. أو الإخوة الناصريين أو الرفقاء فى حزب التجمع.. ولذلك تجد تجمعاتهم محدودة قليلة العدد إلا من شباب متحمس رافض للإخوان.. وللأوضاع المصرية الحالية بصفة عامة.. اقتصاديا وسياسيا..
ولعل استطلاعات الرأى التى نشرت تؤكد ما أقول..حيث أشارت أن أغلب المصريين لم يشعروا بجبهة الإنقاذ ولم يعرفوا قادتها إلا من خلال وسائل الإعلام.. وتحديدا شاشات الفضائيات.. التى اتخذها البعض وسيلة للنضال السياسى ومحاولة جمع مؤيدين أو موالاة.
وقد كنت أعتقد.. ومعى غيرى كثيرون.. أن "الحوار" فضيلة يجب التمسك بها عندما تعانى البلاد من ظروف صعبة كالتى نحن فيها الآن.. وأن "العصيان المدنى" الطوعى لم يأت أوانه بعد.. ولأنه لابد أولا أن نخرج مما نحن فيه بأسرع ما يمكن.. ومن خلال الحد الأدنى من التوافق وحتى لا يحمد عقباه.. ونضطر أن نمد أيدينا فى جيوب بعضنا البعض..
نعم كنت أعتقد ذلك.. ولكن يبدو أنه ليس كل ما أعتقده صحيحا.. فى الحالة المصرية الراهنة.. على الأقل.



