الثلاثاء 06 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يثور فى مصر حاليًا جدل بين فريقين حول السوشيال ميديا وأدواتها،  بعد أن أصبحت أحد أبرز ملامح العصر الحديث،  وفاعلًا رئيسيًا فى تشكيل الوعى العام،  وصناعة الرأى وتداول المعرفة. الفريق الأول يرى أنها ظالِمة لكونها أسهمت فى نشر الفوضى وتزييف الوعى. والفريق الثانى يرى أنها مظلومة، حُمّلت أخطاء وسلوكيات مستخدميها ومجتمعاتها.


الفريق الأول يرى أنها تحولت إلى ساحة مفتوحة لنشر الشائعات، وخطاب الكراهية، والتنمر، والابتزاز الإلكترونى، فضلًا عن ترويج محتوى سطحى أو مضلل. بخلاف مساهمتها فى إضعاف القيم الثقافية، ونشر معلومات دون تدقيق أو تمحيص، بل إن البعض يرى أنها تحولت لمحاكم تفتيش جديدة،  تعتمد على قضاء الحسبة ومواده غير المعترف بها أصلا، للبحث فى نوايا وأفكار البشر، وانتهاك حرماتهم وخصوصيتاهم، اعتمادًا على هذه العناصر والأدوات الزائفة (مواقع تواصل اجتماعى وغيرها). وللأسف برعت بعض المنصات ومواقع (بير السلم) فى توظيف تلك الأدوات لتأجيج الخلافات السياسية والطائفية،  ونشر الفتن والأكاذيب لتحقيق أهداف ومصالح، تهدف فى المقام الأول إلى خدمة فصيل أو جماعة محظورة، مما يؤدى فى النهاية إلى إرباك المجتمع وتفكيك القيم التى يرتكز عليها، وإعلاء نبرة خطاب الكراهية والفوضى. وجعل منها قوة ضاغطة تُعيد تشكيل الوعى العام، (وفق تصورات القائمين على تلك الوسائل والأدوات) بهدف فرض خطابها على المجتمع، دون رقيب أو ضابط أخلاقى أو قانونى، وبالتالى باتت منبرًا مفتوحًا لكل شىء، إلا المهنية. فالشائعة تسبق الحقيقة، والصوت الأعلى يعلو على الصوت الأصدق، و(الترند) أصبح معيار القيمة الوحيد، وللأسف يتم كل هذا تحت لافتة زائفة اسمها حرية الرأى والتعبير.


فى المقابل يرى الفريق الثانى أن السوشيال ميديا مظلومة وبريئة من كل هذه الاتهامات، فهى من وجهة نظرهم، ليست سوى وسيلة محايدة تعكس واقع المجتمعات التى تستخدمها. فالمنصات نفسها وفّرت مساحات غير مسبوقة للتعبير، وكشفت قضايا فساد (لم يكن يعلم أحد عنها شيئًا)، ومنحت صوتًا لمن لا صوت لهم، وفتحت المجال أمام المواطن العادى ليكون شريكًا فى نقل الخبر وصناعته. هذا التحول منح قطاعات واسعة من المجتمع فرصة للتعبير عن آرائها، وكشف قضايا كانت غائبة أو مهمشة، وساهمت فى تسليط الضوء على أزمات اجتماعية وإنسانية لم تكن تحظى بالاهتمام الكافى فى الإعلام أو أى وسيلة أخرى، وساعدت على نشر الوعى بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، ودعم المبادرات الشبابية وريادة الأعمال، كما أنها لعبت دورًا أساسيًا فى كسر احتكار المعلومة،  وإتاحة الوصول إلى المعرفة، وربط مصر بالعالم، وهو ما لا يمكن إنكاره أو التقليل من أثره الإيجابى على المجتمع.


وما بين هذا الفريق وذاك يتضح للجميع أن المشكلة لا تكمن فى هذه الوسيلة (السوشيال ميديا) بقدر ما تكمن فى غياب الوعى الرقمى،  وضعف التربية الإعلامية، وغياب دور الأسرة التربوى، وكذلك ضعف الدور التعليمى المعتمد على الحفظ وليس الفهم وإعمال العقل، ناهيك عن افتقار التشريعات الواضحة التى توازن بين حرية التعبير والمسؤولية. وقتها حين يُترك المستخدم لهذه الوسيلة بلا توعية، والمنصات بلا ضوابط أخلاقية أو قانونية فعّالة، تتحول الأداة من وسيلة بناء إلى سلاح هدم.


ولهذا يمكن القول: إن مواقع السوشيال ميديا فى مصر ليست ظالمة بطبيعتها، ولا مظلومة على إطلاقها،  بل هى انعكاس مباشر لواقعنا الثقافى والاجتماعى والتربوى والتعليمى. ومرآة قاسية لواقع مأزوم شاركت فى تعميقه، بشكل أو بآخر. وبين الاتهام والدفاع، تظل المسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات والدولة، لصياغة فضاء رقمى أكثر انضباطًا، قادر على الإسهام فى بناء الوعى لا تقويضه. ولذلك ليس أمامنا من سبيل سوى ترك هذا الفضاء الذى خلف لنا الفوضى ونشر الشائعات وبث الفتنة والكراهية والتعصب بين أبناء المجتمع الواحد.. أو الآخذ به والتعامل معه كأداة وعى وبناء تسهم بشكل أو بأخر فى تقدم المجتمع، وفق ضوابط وتشريعات ورقابة مجتمعية ومناهج تعليمية تحترم العقل،  ومحتوى ثقافى يُساعد فى تكوين الرأى، وخطاب دينى يُعيد تقديم الدين بمفاهيم وقيم متوافقة مع روح العصر،  لمواجهة التحديات الفكرية المعاصرة، وإبراز سماحة الإسلام ووسطيته، وتجعل منه أداة للبناء والتنمية بدلًا من الجمود أو التطرف.


تلك هى المسئولية والضوابط التى نطالب بها، والتى لا تحتمل مزيدًا من الهروب،  بل تتطلب السرعة والمواجهة قبل فوات الأوان. 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط