لم تعد جماعة الإخوان المسلمين تنظيما سياسيا متطرفا فحسب، بل تحولت ، مع تآكل مشروعها واندثار خطابها الدعوى، إلى مافيا أيديولوجية عابرة للحدود، تدير سوقًا مفتوحة لتجنيد ونقل المقاتلين الأجانب، وتعمل وفق منطق الشبكات الإجرامية. تمويل إقليمى، تنسيق لوجستى، وغطاء عقائدى يُعاد إنتاجه كلما تغير مسرح الصراع.
ما يجرى اليوم على الساحة السورية لا يمكن فصله عن هذا التحول الخطير. فالتنظيم الذى تلقى ضربات سياسية وقانونية متلاحقة، خاصة بعد تصنيفه كتنظيم إرهابى أو متطرف فى الولايات المتحدة وعدد من العواصم الأوروبية الوازنة، لم ينكفئ كما توقع البعض، بل أعاد تموضعه وظيفيًا، باحثا عن ساحة صراع تُعيد له دوره المفقود وتُلمّ شتاته المنهك.
وهنا تحديدًا، تظهر سوريا بوصفها النموذج الأيقونى الجديد. أرض مفتوحة، فوضى ممتدة، وتبرير «شرعي» جاهز. القتال ضد ما يُسمى بـ«المد الشيعي»، وتحديدا ضد حزب الله. هذه اللافتة لم تأتِ من فراغ، بل جرى إعدادها بعناية، لتكون نقطة جذب لعناصر التنظيم، ولتيارات إسلامية متفرقة، تبحث عن عدو جامع بعد انكسارات متتالية.
لكن الأخطر، أن هذا التحول لا يتم بإمكانات ذاتية للجماعة فقط. فثمة دول إقليمية معروفة، تمتلك المال، والمنصات الإعلامية، وشبكات النفوذ، تلعب دور الممول والمنظم والمسهل. دول لا تظهر فى المشهد العسكرى، لكنها تدير المعركة من الخلف. تمويل، تسهيل انتقال، وغض طرف مقصود عن مسارات التهريب البشرى، تحت عناوين إنسانية أو سياسية زائفة.
•••
وفق معطيات متقاطعة، يتم تجميع عناصر الإخوان من أماكن تواجدهم فى دول عربية وأوروبية وآسيوية، ثم نقلهم إلى سوريا بوصفهم “مقاتلين أجانب”، لا أفرادًا معزولين، بل ضمن شبكات منظمة، لها قيادة، وتمويل، وخطاب تعبوى موحد. نحن أمام نموذج تعبئة كامل الأركان، لا يقل خطورة عن شبكات الجريمة العابرة للحدود، بل يفوقها أثرًا، لأن سلاحه الأول هو العقيدة.
المفارقة الصارخة، أن الدول التى أعلنت تصنيف جماعة الإخوان تنظيما إرهابيا، لم تُفعّل هذا القرار على الأرض.
فلا تزال العناصر الإخوانية المقيمة فى هذه الدول تمارس أنشطتها علنا، وتُعلن انتماءها بلا حرج، وتتحرك بحرية مالية وإعلامية. لا تجفيف حقيقيًا للتمويل، ولا تفكيك للبنية التنظيمية، ولا مساءلة قانونية تليق بحجم الخطر.
هذا التناقض بين النص والتطبيق، لا يعاقب الجماعة، بل يخدمها. فقرار بلا تنفيذ، يتحول من أداة ردع إلى هدية استراتيجية، تمنح التنظيم وقتًا ومساحة لإعادة توحيد صفوفه، وإعادة تعريف معركته، وتصدير أزمته إلى ساحات دم جديدة.
خصوصا أنه وبعد أحداث غزة، تبحث حركة حماس عن قاعدة انطلاق بديلة، وعن عمق جغرافى يعوض تضييق الخناق. وهنا تلتقى المصالح. الإخوان، حماس، شبكات مقاتلين أجانب، ورعاة إقليميون، جميعهم يجدون فى شعار «مواجهة المد الشيعي» مظلة جامعة، تسمح بتجاوز الخلافات، وتعيد إنتاج التحالفات على أنقاض الدول المنهكة.
•••
السؤال الذى يجب أن يُطرح بوضوح..هل ستغض الدول الغربية الطرف عن مقاتلين يتسللون إلى سوريا قادمين من أوروبا وأمريكا وماليزيا؟
وهل يُعاد ارتكاب الخطأ ذاته، حين يُترك هؤلاء يغادرون، ثم يُفاجأ العالم بعودتهم لاحقا، أكثر تطرفا وتنظيما وخبرة قتالية؟
ما نشهده اليوم ليس تطورا عابرا، بل تحولًا بنيويًا فى وظيفة جماعة الإخوان، من تنظيم سياسى مرفوض، إلى شبكة إقليمية لإدارة الفوضى، وصناعة المقاتلين، وتدوير الصراعات بالوكالة.
والتاريخ القريب يقول بوضوح إن التنظيمات التى يتم التسامح معها فى لحظة، تتحول فى اللحظة التالية إلى كابوس عابر للحدود.
ومن يظن أن النار ستبقى محصورة فى الجغرافيا السورية، لم يتعلم شيئا من دروس العقد الأخير.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



