تبقى السيرة الذاتية ملهمة، حتى لو كانت سيرة ذاتية لمربية عادية.
إنها السيرة الذاتية لماريا المربية التي كانت راهبة في الدير النمساوي، وهي سيرة ذاتية تصفو وترق كما جاءت في مسرحية صوت الموسيقى المستلهمة عن تلك السيرة الذاتية لماريا الأم الروحية التي قدمت فعل الأمومة كقيمة إنسانية وكفعل إبداعي يتصل بدور المرأة، رغم أنها ليست الأمة الطبيعية لهم.
ولذلك وفي ظل احتياج العالم الغربي آنذاك لقيم العائلة عقب مشاعر العبث وتعاظم الحرية الشخصية الفردية فقد حققت المسرحية في عرضها الأول في برودواي نجاحاً كبيراً، وقد ظل هذا النجاح متصلاً بنسخ عديدة من الممثلين.
وألهمت المسرحية السينما الأمريكية لتنتج فيلماً صار هو الأكثر شهرة عن قيم العائلة والأكثر حضوراً في بطولة جماعية لعدد من الأطفال ليصدر عام 1965، وقد تصدر الفيلم لسنوات خمس قائمة أعلى إيرادات، كما تم ترشيح الفيلم لعشر جوائز أوسكار آنذاك وفاز بخمس منها، وهي جائزة الإخراج للمنتج والمخرج روبرت وايز وهكذا صارت صوت الموسيقى في القلب من كلاسيكيات التراث الموسيقي العالمي.
ويبقى سرها في المزج بين الدراما ذات الطابع الإنساني البسيط العاطفي والضحك والغناء والحضور الواضح لتأثير الموسيقى، وهي التي تصنع التغيير في حياة القبطان تراب والأولاد وتصنع قصة الحب التي تنتهي بالزواج بين ماريا وتراب.
وقد حافظت برودواي على المسرحية في برنامجها الفني، إذ لا تزال جاذبة للجمهور وللعرض العام في القرن الحادي والعشرين.
وقد ألهمت المسرحية فرقة ثلاثي أضواء المسرح فقدمت العمل بعنوان موسيقى في الحي الشرقي ولا تزال تلك المسرحية من المسرحيات المصرية التي بقيت في الوجدان الشعبي للكبار والأطفال بالحضور البهي للفنانة صفاء أبو السعود والفنان الكبير سمير غانم وجورج سيدهم.
ومن هنا يأتي تحدي المخرج المسرحي شادي سرور لتقديم مسرحيته "العيال فهمت" التي تعرض الآن بعد نجاحها في الموسمين الماضيين على مسرح ميامي بوسط مدينة القاهرة.
ولعل مغامرة شادي سرور تكمن أيضاً في ذهابه نحو تفكير يبتعد عن النجوم اللامعة في رهان على أن قمة العمل المسرحي وجمالياته هي القادرة على صناعة نجاح العمل المسرحي إذ يبتعد عن الأسماء القادرة على الجذب الجماهيري من النجوم الذين غادروا المسرح إلى وسائط إبداعية أرحب على الصعيد الإنتاجي وأكثر قدرة على الانتشار الجماهيري.
بل ويعتمد على خبرات محترفة جديدة مثل رامي الطمباري في دور الأب ورنا سماحة في دور المربية، وعبد المنعم رياض في دور زكريا وإيهاب شهاب في دور عابد، ورانيا النجار في دور سعادة ومحمود الهنيدي في دور حازم.
كما يأتي بمؤلف جديدة هو طارق علي يشاركه الكتابة أحمد الملواني، ليطلق العرض طاقات إبداعية جديدة لمجموعة من شباب المسرح في سن العشرينات، مؤكداً أن الرهان على مواهب الجيل القادم ضرورة وإمكانية متاحة لاستعادة فكرة العرض المسرحي كفعل إبداعي جاذب للجمهور بعيداً عن الأسماء الكبرى من الممثلين، ولعل المغامرة الإبداعية ذات الطابع المحترف في المسرحية تكمن في المؤلف الموسيقي أحمد الناصر ومناظر د. حمدي عطية وأزياء شيماء محمود، واستعراضات دارين وائل.
لكن تبقى صوت الموسيقى الأصلية في كونها ترصد الصرامة والجفاف العاطفي للأب مع خلفية اجتياح النازي للنمسا وحالة الحرب وصوت الحب والأمومة والأطفال كتناقض حاد مع العالم الواقعي بوجهه القاسي حالة نادرة أصلية ملهمة لعدد من النسخ اللانهائية الدرامية حول العالم، وإن افتقدت النسخة الأخيرة للعيال فهمت الخلفية التي تشرح العالم الموضوعي الخارجي الذي تشير إليه المسرحية، وهو ما جعل صوت الموسيقى الأصلية ذات عمق اجتماعي وإنساني ضمن لها الخلود.
إلا أن الجودة واحتراف عناصر العرض المسرحي والجدد الموهوبين هي عناصر تؤكد قدرة المسرح المصري على تقديم المواهب القادمة، وعلى إرادة جيل جديد في الحضور للمشهد الإبداعي بالاعتماد على ذاته ووحدة الجماعة الجديدة، ولعل الحضور الجماهيري ودعم الجمهور المصري للمسرحية لهو دليل جديد على واضح على حيوية الثقافة المصرية، وعلى إصرار أجيال جديدة على أن تعبر عن نفسها وعلى أن تنظر للمستقبل.



