أعرف د. مدحت العدل منذ ثلاثين عامًا أو يزيد، كاتبًا وشاعرًا ومصدرًا صحفيًا واضحًا وجريئًا ونزيهًا، وصديقًا لم تهتز علاقتنا يومًا.. جمعتنا دائمًا أفكار مشتركة.. تحاورنا فى الحياة وعلى الورق هنا فى « روزاليوسف» وخضنا معًا تحديات ومعارك صحفية وتليفزيونية كان حاضرًا فيها بشخصه ورأيه وقلمه.
أجمل ما فى مدحت العدل أنه منذ سنوات شبابنا الأولى وحتى الآن لم يفقد براءته الإبداعية ولا قدرته على الحلم.. يستقبل إلهام الفكرة المضيئة باندهاش فيصيغها بشغف ومحبة ليدهشنا بها، أغنية كانت أو فيلمًا أو عملًا دراميًا، أو عرضًا مسرحيا كالذى يشاهده الجمهور المصرى والعربى الآن باستمتاع وترحيب.
«أم كلثوم.. دايبين فى صوت الست»
هكذا اختار عنوان أحدث تجاربه المسرحية وكأنه إعلان موقف وتحديد مسئولية أمامنا كجمهور بأننا سنرى عرضًا يحب أم كلثوم ويقدر قيمتها، لنخرج بعد مشاهدته وقد تأكدنا أنه على مستوى هذا الموقف وتلك المسئولية وأنه - أيضًا - عرض «يعرف» أم كلثوم جيدًا.
العرض الذى حضرته فى مسرح كبير لا يوجد فيه مقعد خالٍ - كحفلات كوكب الشرق - والذى وجدت جمهوره شبابًا وعائلات من شرائح مختلفة مصريين وعربا حريصين على التأنق زيًا وسلوكًا كما لو كانوا ذاهبين للقائها شخصيًا.. خاض به مدحت العدل مغامرة جريئة على أكثر من مستوى:
الأول: إنه راهن على إنتاج العمل بنفسه ومنفردًا لأول مرة
والثانى: إنه راهن على مواهب جديدة بالكامل بعضها يقف على المسرح للمرة الأولى، وعلى مخرج شاب لم تُتَح له من قبل فرصة تقديم عرض بهذا الحجم .
والثالث: إنه تعامل إنتاجيًا كما لو أن الأبطال نجوم كبار بدءًا من توفير مستوى المسرح الذى اختاره للعرض ووصولًا إلى توفير مستوى عناصر السينوغرافيا المسرحية صوتيًا/موسيقيًا، بصريًا، وحركيًا.. وبدرجة تقنية مميزة.
منذ أولى خطواتك فى حرم المسرح الخارجى تحتويك تجربة شحن وجدانى هادئة حين يأتيك صوت أم كلثوم «قريبًا بعيدًا» وتلتقط عيناك صورها وبعض مقتنياتها، قبل أن تصافح فى التراس الأمامى صور عباقرة الكلمة واللحن الذين شاركوا فى صنع أسطورتها.. وتمتد التجربة حين تدخل إلى بهو المسرح الداخلى حيث تحيطك سيدة الغناء فى مراحلها المختلفة.
أنت الآن فى قلب قاعة العرض مهيأ للقاء «كوكب الشرق»، وقد كان ذكاءً ووعيًا فنيًا من الكاتب والمخرج أننا بمجرد فتح الستار بعد دقات المسرح التقليدية لا نرى مشهدًا تمثيليًا، بل نجد أم كلثوم فعلًا مجسدة ً (بتقنية Deep Fake) بكامل هيئتها ووقفتها وإيماءاتها الحركية الشهيرة تشدو «إنت عمرى» من حفل باريس الأسطورى، ومع «القفلة» تنفجر قاعة العرض بالتصفيق لـ«الست» قبل أن يمتزج المشهد باستدعائها وهى فى لحظة ذروة مجدها لتلك الطفلة التى خرجت مع والدها وأخيها من «طماى الزهايرة» تجوب القرى المجاورة دون أن تدرى أنها فى يوم ما سيجتمع حول صوتها الملايين، وسيُكتَب لها الخلود.
إلى جانب المواهب الصوتية البديعة التى جسدت شخوص العرض، فإن بطله الأول فى تقديرى هو المخرج الشاب الموهوب «أحمد فؤاد» الذى تابعت أغلب أعماله على مسرح الدولة، ولكنه هنا يمسك بالفرصة الذهبية ويثبت أن سلالة المخرجين الكبار فى المسرح المصرى ممتدة وحية ومبدعة.
لم يقف «فؤاد» عند حدود ترجمة النص بصريًا وحركيًا فقط، بل نفذ إلى أعماق معانٍ ومواقف ومنحنيات صعود وقلق وأزمات (وأحيانًا فلسفة) سكنت وراء النص فأبدعها لوحات موسيقية تنبئ عن خيال متوهج.
بدا ذلك رائعًا فى لوحة المناظرة بين صوت بازغ (أم كلثوم ) وصوت يأفل ( منيرة المهدية) حين تبدأ اللوحة بمنيرة «تركب المسرح» وأم كلثوم أسفل «سلم المجد» ثم ينقلب الحال بينما تختفى «المهدية» من المشهد.. بدا كذلك فى لوحة مناظرة أم كلثوم وعبد الوهاب التى امتزجت فيها الغيرة بالمنافسة الفنية فجاء الحوار/الصراع بينهما بأغنيات كل منهما.
بين مشهد سيدة الشرق فى باريس ومشهد رحيلها عشنا فى رحاب أم كلثوم.. وبينهما كانت المقاربة رائعة حين تم استدعاء «عمر الخيام» التى ظلت مترددة فى غناء رباعياته إلى أن وقفت موقفًا وجوديًا مع اكتشاف أن مرضها يمكن أن يفقدها صوتها:
لبست ثوب العيش لم أُستَشر .. وحرت فيه بين شتى الفِكَر
وسوف أنضو الثوب عنى ولم.. أدرك لماذا جئت أين المفر؟
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



