رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مع بعض رموز الشخصيات، لا تحسب الأعمار بعدد السنوات، بل بما تركوه كبصمة.. تمثل أثرًا فى الوعى، وما تتركه من علامات فى تاريخ الأفكار. وحين يبلغ الإمام الأكبر د. أحمد الطيب «شيخ الأزهر» عامه الثمانين، فإننا لا نحتفى بيوم الميلاد، بل نقف أمام تجربة فكرية ودينية وإنسانية نادرة، أعادت تعريف دور العالم الدينى فى زمن الفوضى والاضطراب، وأعادت أيضًا تعريف معنى القيادة الدينية كمسئولية لفعل حضارى شامل.

 

وصل الإمام أحمد الطيب إلى مشيخة الأزهر فى لحظة تاريخية فارقة وفاصلة. عالم يترنح تحت مظلة العنف باسم الدين، ومساحات شاسعة.. تترك لحساب رصيد الجهل والغلو والتطرف والتشدد، ومؤسسات دينية.. تسرع نحو الهاوية دون مقدمات. وفى مركز هذا المشهد، اختار أن يكون الأزهر حاضرًا، وليس هامشًا، ومؤثرًا وليس مستهلكا للحدث، ومرجعية وليس طرفًا فى كل الأحوال.


حين تتحول المسئولية إلى رسالة..


الأزهر يمثل منفردًا.. أقدم مؤسسة علمية إسلامية سنية، وهو ليس مجرد كيان تعليمي فحسب، بل ذاكرة معرفية للمسلمين، وضمير فقهي.. تشكل عبر قرون من التراكم والاجتهاد. وقد أدرك الإمام الطيب أن مسئولية الحفاظ على هذه المرجعية، لن يكون بالتحصين خلف الأسوار، بل بتجديد أدواتها ووسائلها، وصيانة منهجها الوسطى من التفكك أو التوظيف أو الاستخدام. 


منذ تولى مسئولية المشيخة، استعاد الأزهر مكانته العلمية بوصفه مرجعًا جامعًا وليس إقصائيًا، ورفض اختزال الإسلام فى خطاب واحد، أو قراءة متشددة، أو نزعة سياسية موجهة. كما أعاد الاعتبار لفقه التعدد، واحترام المذاهب، وتقديم العقل المنضبط. وهو ما جعل خطابه امتدادًا للتراث الأزهرى الوسطى وليس بقطيعة معه، وتجديدًا واعيًا دون انبهار ببعض الأحداث ذات الأبعاد العالمية.


قام الإمام أحمد الطيب بدور «الحارس الأمين» على الإسلام الوسطى، ليس عبر المواجهات الانفعالية، بل عبر بناء مؤسسى طويل الأمد.. مما جعل من الأزهر نقطة توازن فى عالم يتأرجح بين التطرف والفراغ القيمى والفوضى الإنسانية.


بيت العائلة المصرية..


فى الداخل المصرى، لم يكن خطاب الإمام الطيب تجاه العلاقة بين المواطنين المسيحيين والمسلمين المصريين.. خطاب تهدئة مؤقتة حسب الأزمات والتوترات، بل رؤية متكاملة للمواطنة بوصفها عقدًا أخلاقيًا قبل أن تكون صيغة قانونية. وانتقل بحوار أتباع الأديان (المسيحية والإسلامية) من منطق «احتواء الأزمات» إلى منطق البناء الواحد المشترك.


تطورت العلاقة مع الكنيسة المصرية للتعبير العملى عن هذا الوعى، بعد أن تأسست شراكة دينية ووطنية.. تدرك أن حماية الوطن لا تتم إلا بتحصين الوعى الجمعى من الفتن. ولم يكن تأسيس «بيت العائلة المصرية» سنة 2011 مجرد إجراء بروتوكولي، بل تجسيد لفكرة عميقة مفادها أن الأديان، حين تدار بعقل راشد، تكون صمام الأمان الحقيقى للمجتمع، وليست عبئًا عليه.


ولقد قدم الإمام الطيب نموذجًا لرجل الدين الوطنى، الذى لا يساوم على العقيدة، ولا يعادى الطرف الثانى المسيحى المصرى، بل يربط بين الإيمان والاستقرار، وبين التدين والعيش المشترك.


وثيقة الأخوة الإنسانية..


تمثل وثيقة الأخوة الإنسانية التى صدرت سنة 2019 واحدة من أكثر اللحظات المهمة عالميًا 
فى التاريخ الدينى المعاصر. وثيقة لم تصدر من الفراغ أو فيه، بل جاءت كأسلوب للرد الحضارى فى عالم.. أنهكته الصراعات، وساء فيه توظيف الدين حتى بات محط اتهام فى ساحات السياسة والإعلام.


إسهام الإمام الطيب فى هذه الوثيقة لم يكن شكليًا، بل فكريًا فى جوهره ومحتواه.. إذ نقل الفكر الدينى من موقع التبرير إلى موقع المبادرة، ومن الدفاع عن الذات إلى الدفاع عن الإنسان. وقد أكدت الوثيقة أن الإيمان الحقيقى لا يتناقض نهائيًا مع كرامة البشر ومكانتهم، وأن الاختلاف الدينى سنة كونية، وليست مبررًا للإقصاء أو العنف.


اكتسبت الوثيقة قيمتها من صدورها عن مرجعية إسلامية كبرى عالميًا تمتلك شرعية العلم والتاريخ بالشراكة مع البابا الراحل فرنسيس، وتخاطب العالم بلغة أخلاقية وقيمية وإنسانية مشتركة، دون أن تفقد خصوصيتها الدينية.


مجلس حكماء المسلمين..


من بين أبرز ملامح مشروع الإمام الطيب إيمانه العميق المرتكز على أن مواجهة التطرف لن تكون بالأشخاص وحدهم، بل بالمؤسسات العابرة للحدود. ولذا جاء مجلس حكماء المسلمين الذى تأسس سنة 2014 بوصفه مساحة عقلانية تجمع العلماء المستقلين، وتعيد الاعتبار لقيمة الحكمة فى الفكر الدينى وما يترجم لخطاب ديني.


تحول المجلس إلى منصة دولية للحوار لطرح ومناقشة كافة قضايا التطرف والتشدد، والهوية والانتماء، والعيش المشترك.. بعيدًا عن الاستقطاب الحاد. وقد لعب دورًا مهمًا فى تصحيح صورة الإسلام عالميًا.. ليس عبر خطاب دفاعى استباقى تقليدى، بل عبر طرح رؤية إنسانية ترى فى السلام مقصدًا أصيلًا من مقاصد الدين.


10 وثائق خلال 9 سنوات..


فى عهد الإمام أحمد الطيب، لم يعد الأزهر مجرد مؤسسة تصدر الفتاوى، بل أصبح جهة تنتج وثائق فكرية مرجعية، تتناول أصعب القضايا المعاصرة وأعقدها. وقد شكلت هذه الوثائق القيّمة.. محاولات جادة لبناء فكر إسلامى معاصر، قادر على مواجهة التطرف، والإسلاموفوبيا، وسوء الفهم المتوارث والمتبادل بين الشرق والغرب.


تميزت هذه الوثائق بأنها قد تمت صياغتها بلغة جامعة، تجمع بين العمق الشرعى والوعى الإنسانى، وتستند إلى اجتهاد جماعى وليس فرديًا.. مما منحها وزنًا علميًا وقيمة أخلاقية.. جعلتها محل اهتمام دولى.


رجال حول الإمام..


لم يؤمن الإمام الطيب بفكرة «رجل الدين المنفرد والأوحد»، بل قدم نموذجًا لقيادة تحتفى بالعقول وتحترمها، وتحسن توزيع الأدوار وتقدرها. التف حوله علماء ومفكرون امتلكوا أدوات الحوار مع العالم، وأسهموا فى تجديد الفكر الدينى، وإدارة الملفات الفكرية المعقدة. وعلى سبيل المثال وليس الحصر: الراحلان د. محمود حمدى زقزوق ود. محمود عزب، والمستشار محمد عبدالسلام.


كان هؤلاء امتدادًا لمدرسة أزهرية ترى أن التجديد لا يعنى القطيعة، وأن الانفتاح لا يعنى الذوبان، وأن العمل المؤسسى هو الطريق الوحيد لبقاء الفكرة بعد رحيل العلماء.


نقطة ومن أول السطر..


يقف الإمام أحمد الطيب فى الثمانين.. شاهدًا على إمكانية أن يكون العالم الدينى فاعلًا فى صناعة السلام، دون أن يتخلى عن انضباطه العلمى، واستقلاله الأخلاقى والقيمى. لقد أعاد الإمام الطيب.. تعريف دور شيخ الأزهر من مجرد حارس للتراث إلى صانع للفكرة والمعنى فى عالم متغير.


إنها مسيرة عالم.. اختار أن ينحاز للعقل فى زمن اللهو والغوغائية، وللإنسان فى زمن الاستقطاب والتسليع، وللوحدة فى زمن التوظيف والاستغلال. هذا الاحتفاء.. هو اعتراف بتجربة إنسانية جديرة بالرصد والتحليل. تجربة.. تؤكد أن الدين، حين يقوده حكماء، يصبح جسرًا للتلاقى وليس جدارًا للعزلة، ورسالة حياة إنسانية وليست خطابا أسود للخوف.


الإمام أحمد الطيب فى الثمانين.. حكمة الدين فى زمن الفوضى..


80 سنة.. والعقل لا يزال فى حالة اشتغال.. والفكر الدينى يحتاج إلى حيوية التجديد.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط