فى عالم يتآكل فيه المعنى، وتتنازع فيه العقول بين تطرف دينى وسيولة قيمية جارفة، تعود «دبلوماسية الأزهر الشريف» لتطرح نفسها لا بوصفها خيارًا ثقافيًا أو دينيًا فحسب، بل باعتبارها ضرورة استراتيجية للأمن الفكرى المصرى والعربى، ورافعة حضارية يُمكن أن تُعيد التوازن إلى مساحات شاسعة فى أفريقيا وشرق آسيا، تركها العالم فريسة لخطابات التشدد أو الفراغ الروحى.
الأزهر، بهذه الرمزية المتراكمة عبر أكثر من ألف عام، لا يُمثل مؤسسة تعليمية تقليدية، بل مخزونًا هائلًا من الشرعية المعنوية والثقة الشعبية، خصوصًا فى المجتمعات التى تبحث عن إسلام غير صدامى، غير مسيّس، وغير معزول عن العصر. ومن هنا، فإن دعم تواجده الخارجى لا يجب أن يُقرأ بوصفه نشاطًا دعويًا محدود الأثر، بل كجزء من معادلة القوة الناعمة للدولة المصرية.
التمركز الأزهرى فى أفريقيا وشرق آسيا يمكن أن يشكل ما يشبه «الحصار الفكرى» للتيارات المتطرفة، لا عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال الإشباع الدينى المتوازن. فالتطرف لا ينمو فقط فى بيئات الفقر أو الصراع، بل فى الفراغ، حين تغيب المرجعية الرشيدة، ويُترك الوجدان الجمعى نهبًا لتفسيرات مشوهة للنصوص، أو لخطابات عاطفية تفتقر إلى العمق العلمى.
وجود الأزهر فى هذه المناطق يملأ هذا الفراغ. التعليم الأزهرى، بحكم طبيعته، لا يكتفى بنقل المعرفة، بل يبنى العقل، ويؤسس لمنهج وسطى قادر على التعايش مع التنوع الدينى والثقافى. والأهم أن هذا الانتشار يرتبط عضويًا بتعليم اللغة العربية، بما تمثله من وسيلة اتصال مباشرة مع النص المؤسس، دون وسطاء أو تشويهات. اللغة هنا ليست أداة تعليم، بل جسر حضارى يربط الشعوب بمصدر الفهم، ويحررها من أسر الترجمات المؤدلجة.
غير أن دبلوماسية الأزهر لا ينبغى أن تظل حبيسة العلوم الشرعية وحدها. فالتجربة أثبتت أن حصر بعثات الأزهر فى الفقه والدعوة يخلق فجوة لاحقة، حين يعود الخريج إلى وطنه فلا يجد وزارة أوقاف، ولا مؤسسة دينية تستوعب علومه، فيتحول العلم إلى عبء، والدعوة إلى عزلة. هنا تكمن الحاجة إلى إعادة تعريف الدور.
الأزهر - الذى تستقبل «مدينة البعوث الإسلامية» فيه طلاب علم ودين من شتى بقاع الدنيا - مُطالب اليوم بأن يفتح أفقه الأكاديمى على مصراعيه. لماذا لا تفتح كلياته العلمية، والهندسية، والطبية، أبوابها لهؤلاء الطلاب؟ لماذا لا نعيد إنتاج نموذج الطبيب، والمهندس، والعالم، الذى يجمع بين علوم الدنيا وروح الدين، فيكون أكثر قدرة على التأثير، وأصدق تمثيلا للإسلام المستنير؟
هذا النموذج لا يخدم فقط بلدانهم الأصلية، بل يتحول إلى أداة ناعمة بالغة التأثير. طبيب أزهرى يُعالج، مهندس أزهرى يبنى، أستاذ أزهرى يُعلم .هؤلاء لا يرفعون شعارات، لكنهم ينشرون الفكر المعتدل عبر السلوك والقدوة والوظيفة العامة. هكذا تتحول الدعوة من خطاب إلى ممارسة، ومن منبر إلى حياة يومية.
ولا يجب إغفال البعد الثقافى والإبداعى. اكتشاف المواهب فى التواشيح الدينية، والإنشاد، والفنون المرتبطة بالروح الإسلامية، يمكن أن يكون مدخلًا ناعمًا آخر للتأثير، خصوصًا فى مجتمعات تتفاعل مع الفن أكثر مما تتفاعل مع الخطب.
دبلوماسية الأزهر، إذا أُحسن توظيفها، قادرة على أن تكون أحد أعمدة الحضور المصرى فى أفريقيا وشرق آسيا.
هى دبلوماسية بلا ضجيج، بلا قواعد عسكرية، وبلا صدامات، لكنها الأعمق أثرًا والأطول عمرًا. وفى زمن تتصارع فيه القوى على العقول قبل الحدود، يصبح الاستثمار فى الأزهر استثمارًا فى أمن المستقبل.
الأزهر لم يعد مطالبًا فقط بأن يعلّم، بل بأن يتموضع. فحيثما وُجد الاعتدال، تراجعت الكراهية، وحيثما استقرت الفكرة، أُغلقت أبواب التطرف.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



