في منطقة تموج بالاضطرابات والصراعات المفتوحة، يبقى الجيش المصري حالة فريدة في معادلة القوة الإقليمية؛ ليس فقط بما يمتلكه من تسليح متطور أو قدرات بشرية هائلة، وإنما بما يحمله من عقيدة وطنية راسخة تشكل جوهر قوته الحقيقية وسر استمراريته عبر التاريخ.
الحديث عن قوة الجيش المصري لا ينفصل عن الجغرافيا السياسية لمصر ذاتها.
الدولة التي تتوسط ثلاث دوائر استراتيجية (العربية والإفريقية والمتوسطية) تحتاج إلى جيش قادر على حماية حدود ممتدة، وتأمين مصالح قومية متشابكة، والتعامل مع تهديدات تقليدية وغير تقليدية في آن واحد. وهنا يبرز الجيش المصري كأحد أكثر الجيوش توازنًا وانضباطًا في العالم.
القوة العسكرية في المفهوم المصري لم تكن يومًا مرادفًا للعدوان أو فرض النفوذ، بل جاءت دائمًا انعكاسًا لعقيدة دفاعية واضحة: حماية الأرض وصون الدولة الوطنية، هذه العقيدة التي تشكلت عبر حروب وتضحيات، من حرب 1948 إلى نصر أكتوبر المجيد، صنعت جيشًا يعرف متى يقاتل، ولماذا يقاتل، ومن أجل من يقاتل.
الجندي المصري لا يحمل السلاح بوصفه أداة قتال فقط، بل باعتباره أمانة تاريخية ومسؤولية وطنية. ومن هنا يتجلى الفارق بين جيش يعتمد على المرتزقة أو الولاءات المتقلبة، وجيش ينتمي إلى شعبه ويستمد شرعيته من إرادته.
من أبرز أسباب قوة الجيش المصري التنوع الكبير في مصادر التسليح، وهي سياسة واعية جنّبت المؤسسة العسكرية الوقوع في فخ الارتهان السياسي أو العسكري. هذا التنوع لم يكن هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لبناء قدرة قتالية مرنة، قادرة على العمل في مختلف مسارح العمليات، وبكفاءة عالية.
إلى جانب ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تطورًا نوعيًا في أنظمة القيادة والسيطرة، والتدريب المشترك، والتكنولوجيا العسكرية، ما عزز من جاهزية القوات المسلحة وقدرتها على الردع والحسم في وقت واحد.
في زمن تتفكك فيه الجيوش الوطنية في بعض الدول لصالح الميليشيات والتنظيمات المسلحة، حافظ الجيش المصري على طبيعته المؤسسية الصلبة، فهو جيش دولة، يخضع لقيادة مركزية، ويعمل وفق الدستور والقانون، ولا يتدخل إلا لحماية الأمن القومي أو دعم استقرار الدولة.
هذا الانضباط المؤسسي جعل الجيش المصري عنصر استقرار إقليميا، ورسالة طمأنة لا تهديد، ولذلك تحظى القوات المسلحة المصرية بتقدير واسع في دوائر القرار الإقليمي والدولي، باعتبارها قوة رشيدة تعرف حدود القوة وحدود السياسة.
ورغم كل ما تحقق من تحديث وتسليح، تبقى القوة البشرية هي العمود الفقري للجيش المصري، منظومة إعداد المقاتل، نفسيًا وبدنيًا ومعنويًا، تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المعارك الحديثة، التي لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، بل بالإرادة والوعي والانضباط.
ومن اللافت أن الجيش المصري لم ينفصل يومًا عن المجتمع، بل ظل جزءًا أصيلًا منه؛ يشارك في التنمية، ومواجهة الأزمات، وحماية مقدرات الشعب في السلم كما في الحرب.
قوة الجيش المصري لا تُقرأ فقط في أرقام التصنيفات العسكرية، بل في قدرته على منع الحرب قبل وقوعها، فامتلاك القوة الرشيدة هو أعلى درجات السلام، وهو ما جسدته السياسة الدفاعية المصرية القائمة على الردع المتوازن، دون تهور أو استعراض.
وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، يظل الجيش المصري ثابتًا على مبدأ واحد وهو القوة من أجل السلام، والسلاح من أجل حماية الدولة، والعقيدة من أجل الوطن، إنه جيش صنعه التاريخ، وحمته العقيدة، ويدعمه شعب يعرف أن أمنه واستقراره يبدأ من مؤسسة عسكرية وطنية، قوية، واعية، ومخلصة… جيش هو بحق درع مصر وسيفها.



