الثلاثاء 13 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

"رب صدفة خير من ألف ميعاد"، صدفة تسعى إلينا، يضعها القدر في طريقنا، فتصبح أجمل المواعيد، بالصدفة التقيت بهم في مكان بعيد لم أتوقع أن ألقاهم هناك، فمن عشرين عاماً أو أكثر ط، اصطحبت زوجتي في رحلة لمصحة علاجية في مدينة براتيسلافا عاصمة سلوفاكيا، لألتقي هناك بالمصادفة البحتة بالصديق العزيز الكاتب محفوظ عبد الرحمن الذي أتى للعلاج ومعه زوجته الفنانة سميرة عبد العزيز، وفي صحبتهما نجمة المسرح العربي سميحة أيوب وقد أتت للعلاج الطبيعي بعد أن أجرت عملية جراحية بمصر لاستبدال مفصل الركبتين، قضينا الوقت بين جلسات العلاج وحديث عن الذكريات، وتبادل الآراء في الفن وسنينه، مع جرعات من الألم على الأوضاع الفنية وتراجع الإقبال على المسرح بشكل كبير، فالستار يفتح في العرض الأول عن مسرحيات بدون جمهور، ملقية النجمة اللوم على ما يقدمه السواد الأعظم من الكتاب للضحك فقط، مبتعدين عن الرسالة الحقيقية للمسرح، وتأثيرها بقضايا المجتمع، فما يتم تقديمه الآن مجرد "هيافة" على حد قولها بدون فكرة، وبدون رسالة. وكيف أنها قدمت رسائل من خلال الكثير من الأعمال المسرحية وعددها 180 مسرحية، لذلك التف وتعلق بها الجمهور..

 

 وهنا تدخل صديقى محفوظ عبد الرحمن طيب الله ثراه ليعلق، بأنه دائما يقدم النصح لزملائه من كتاب المسرح، مطالباً بأن يقدِّموا أعمالًا تخاطب الشباب، تخاطب الأم والأب، وتوجِّه رسائل توعية في أهم القضايا التي تحيط بنا خاصة في الفترة الحالية، لهذا ابتعد الجمهور عن الفن الراقي. وعقبت سميحة أيوب على مقولة الكاتب المبدع بقولها: "اشتغلت في السينما للصرف على المسرح، تعبنا واجتهدنا، وعلى الشباب يجب أن يعمل بجد فهذا دورهم، ويجب أن يكون لهم هدف، يسعون لتحقيقه".

 

جلسات حوارية ممتعة أتت بالصدفة من نجمة وكاتب مبدع، ذكرتني يومها بسهرات القاهرة الأدبية في النوادي و المقاهي الثقافية، استرجعتها وأنا أكتب عن سيدة المسرح العربي، وعن بداية نشأتها التي لم تكن مصادفة أيضاً.

 

ولدت نجمتنا سميحة أيوب في حي شبرا 8 مارس عام 1932، وبعدها بعشرة أشهر يناير 1933 تُوَلّد النجمة العالمية داليدا، ليس مصادفةً أيضا، فلقد أنجب حي شبرا الكثير من رواد الفن السينمائي في مصر، منهم المخرج هنري بركات، الذي ينتمي إلى أسرة شامية، هاجرت إلى مصر، إبان الحوادث الطائفية التي شهدتها بلاد الشام بين أتباع المذاهب والديانات المختلفة، التي على إثرها هاجر الكثيرون من الشوام إلى مصر.. في نفس المنطقة التاريخية والشعبية الكبيرة الحاضنة للفن والمبدعين، ليخلقوا عالماً جديداً، انصهرت فيه ثقافاتهم المتباينة، وتبلورت في هذا الحي العريق.

 

 

كانت شبرا في القاهرة تشهد حراكاً ثقافياً نشطاً، خاصة في الأنشطة المسرحية المدرسية، وعرفت مبكراً فن السينما على أيدي الأجانب، تحديداً عام 1910، فيما يسمى بـ"غران سينماتوغراف". وعام 1915، عرف الأهالي سينماتوغراف شانتكلير لأول مرة. وكان العقار 104 شارع ساحل سليم في منطقة روض الفرج شاهداً عام 1937، على إنشاء استوديو سينمائي كبير، شيده المخرج كوستانوف. في هذا الاستوديو تم تصوير فيلم جحا وأبو نواس في القرن العشرين.. وعلى مسارح روض الفرج، قام علي الكسار وفرقته التمثيلية على مسرح روض الفرج، ومن الحي نفسه خرجت أمينة رزق وحسين رياض وفاخر فاخر، وبعد ذلك نبيلة عبيد وسعاد نصر.

 

علاقة شبرا بالسينما ظهرت بوضوح في انتشار عدد كبير من دور العرض في شوارعها، مثل سينما شبرا بالاس، والأمير، وبلازا، حيث الحفلات الصباحية، وسينما روي، التي كانت تعرض الأفلام الأجنبية، وفريال، والنزهة.

 

 

إذا كانت المصريات نجمات ساطعات في السينما والمسرح، ففي حياتنا الفنية طوال أكثر من قرن ونصف من الزمان تقريبا لم نشهد سوى ثلاث سيدات ارتبطت بأسمائهن ومكانتهن صفة السيادة، وذلك دون الأخذ في الاعتبار لقب سيدة مصر الأولى التي تزول بزوال مكانة زوجها.

 

والسيدات الثلاث هن: (أم كلثوم) سيدة الغناء العربي، و(فاتن حمامة) سيدة الشاشة العربية، و(سميحة أيوب) سيدة المسرح العربي، حيث لم ترتبط تلك الصفة بكل منهن فنيا وإعلاميا فقط، بل وجماهيريا أيضا على مدى سنوات طويلة فيما يقترب من الاستفتاء الشعبي، وبالتالي لم تستطع أي فنانة أخرى منافستهن على هذا اللقب. لم تسع الفنانة (سميحة أيوب) للحصول على هذا اللقب ولكنه ارتبط بها بعد تألقها المسرحي بمنتصف ستينيات القرن الماضي. ونجاحها في تجسيد عدد كبير من الأدوار المركبة، التي حظيت بإشادات نخبة من كبار النقاد، كما حققت لها النجاح الجماهيري والشهرة، فكان من المنطقي أن تتوج تلك المسيرة بحصولها على بعض مظاهر التقدير والتكريم وتستلمها أعلى الشهادات والأوسمة، ومن بينها لقب (سيدة المسرح العربي)، فهي صاحبة أطول مسيرة فنية متواصلة في تاريخ المسرح العربي، وأول امرأة تدير المسرح القومي، وتخرج مسرحية في الوطن العربي. قدّمت حوالي 180 عملاً مسرحياً مميزاً لروايات عظيمة، أجادت فيها وبذلت الجهد الكبير، منها، "أنطونيو وكليوباترا" و"الندم" و"رابعة العدوية" و"الوزير العاشق" و"دماء على أستار الكعبة" و"الخديوي" و"الإنسان الطيب" و"السبنسة" و"سكة السلامة". كما خاضت خمس تجارب مسرحية عالمية، منها "فيدرا" التي قدّمَتهَا في باريس لمدة 15 يوماً على خشبة أضخم المسارح هناك، وكتبت عنها الصحف الفرنسية يومذاك، ومسرحية "أونكل فانيا" مع مخرج سوفياتي، و"الطباشير القوقازية" مع مخرج ألماني، و"أنطونيو وكليوباترا" مع المخرج الإنجليزي فيردز بوس. روت سميحة أيوب في كتاب "أسطورة المسرح العربي" أن لقاءها بجان بول سارتر كان من المحطات المهّمة في حياتها، فقد لعبت دور أكترا في مسرحية "الندم" لسارتر وأعيد عرضها حين زار سارتر مصر وفوجئت بصعود سارتر على خشبة المسرح في نهاية العرض ليقبل يدها، ويقول "وأخيراً وجدت أكترا فى القاهرة"، فكان بمثابة واحد من أهم الأوسمة التي نالتها في حياتها.

 

 

ضمن التكريمات لها، حصدت الفنانة القديرة سميحة أيوب وحصلت على لقب "سفيرة الفن الأصيل" من مجلس الإعلاميين الدوليين، تكريماً لمسيرة فنية، خدمت فيها الفن المصري والعربي، وعلى أثره مُنحت لقب "سيدة المسرح العربي"، لكثرة أعمالها المسرحية التي مثّلت فيها مصر والوطن العربي، وفي مقدّمهم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي منحها وسام الجمهورية، وكانت في بدايتها، والرئيس الراحل أنور السادات، ومنحها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى. كما قلّدها الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان وساماً برتبة فارس.

 

حظيت سميحة ايوب بتكريم آخر منذ عامين، وقبل أن تفارقنا العام المنصرم، عندما قدمت وزارة التربية والتعليم في المناهج التعليمية للصف السادس الابتدائي، مادة المهارات، وفي الدرس الثامن كانت سميحة أيوب في مقدمة الشخصيات المصرية المؤثرة ممن رصدت تجاربهم ،ضمن تعريف الطلاب بأبرز الشخصيات في مجال المسرح، وجاء في نص الدرس "ولدت السيدة سميحة أيوب «سيدة المسرح العربي»، في القاهرة في العام 1932، ودرست التمثيل في معهد التمثيل «المعهد العالي للفنون المسرحية حاليا» وتخرجت فيه في العام 1953، لتختار بعدها التمثيل مهنة لها، ومع ذلك، لم يقتصر نطاق عملها على التمثيل فحسب، إذ تولت مهام إدارة المسرح المصري الحديث والمسرح القومي المصري، وتمت تسمية القاعة الأكبر في المسرح القومي المصري باسمها.

 

كرّست الفنانة والنجمة سميحة أيوب مسيرتها المهنية لتثقيف جمهورها وتنويرهم لا ترفيههم فحسب، فحرصت بذلك على قبول الأدوار الهادفة التي تحمل في طياتها رسائل مهمة، شاركت صوتيا في أوبرا «بنت عربي» التي هدفت إلى تسليط الضوء على التحديات التي تواجه أصحاب الهمم يوميا. ولطالما كانت السيدة سميحة مرشدة للشباب، فتراها تنصح أولئك الراغبين في احتراف التمثيل إلى تحسين مواهبهم ومهاراتهم، وتنصح بأهمية المطالعة، إذ ترى فيها وسيلة لصقل تصوراتهم الفنية ودعم خيالهم، وثقت محطات التليفزيون حياتها الحافلة عبر المقابلات التليفزيونية، وتمّ تأليف كتب عن حياتها، ككتاب «الساحرة.. مشوار من الإبداع». وحصلت على ميدالية جائزة النيل الذهبية.

 

فارقتنا فى منتصف العام الماضي عن 93 عاماً لكن بقيت واحدة من أهم الفنانين ثقافة في تاريخ الفن المصري.

 

 

تم نسخ الرابط