الأربعاء 28 يناير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لماذا يجب أن يعيد هؤلاء قراءة أحداث يناير 2011؟


الذين ما زالوا يتكلمون بشىء من الخير عن أحداث يناير 2011 لا بُد أن يعيدوا حساباتهم، وقراءاتهم، وأن يعيدوا تحليل النتائج، وأن يعيدوا مرة ومرة ومرة قراءة الشواهد والدلالات ثم المآلات. 


صحيح بعضهم رومانسيون؛ لكنّ آخرين «خباصون» ومزايدون على شاكلة «رموز يناير»، وعلى شاكلة ما سُمِى وقتها بالشباب الطاهر الذى أثبت الزمن واختباراته أنهم لا هم طاهرون ولا يحزنون. 


يناير 1952 ذكرى ملحمة وطنية رسمت سطورها الشرطة المصرية فى الإسماعيلية، فى واحدة من المناسبات الوطنية لملاحم بطولة من طراز خاص. 


كانت هوجة يناير 2011 أحداثًا على الهامش، أو قل إنها كانت وقائع حدثت فى غفلة من زمن وصدفة الله لا يعيدها ولا يعيد أيامها. 


فى مناسبة عيد الشرطة تعظيم سلام للشهيد. 


قال الرئيس عبدالفتاح السيسى إننا لا يمكن، مهما فعلنا، إيفاء حقوق الشهداء. 


الكلام صحيح مائة بالمائة، لأن الذين قدموا دماءهم صونًا للأرض والعرض لا تُوَفّى حقوقهم مهما قدمنا ومهما صنعنا. 


ويبقى أن هؤلاء الرجال دفعوا عن طيب نفس ورضاء كامل ثمنًا غاليًا، لصون التراب فى ملمات كبرى، منها ما دفعه منهم فيما بعد 2011 أثمانًا باهظة لرغبات شياطين الأوطان وتجار الشعارات. 


يفضَّل أن نعتمد يناير من الآن ورايح باسم الهوجة. يفضَّل أن نعتمدها نكبةً.. وبلاءً. 


صحيح.. كانت هوجة وفلتة.. وكانت أيضًا فاحشة وساء سبيلا. 


-1-


لماذا يجب على الجميع إعادة قراءة أحداث هوجة يناير، وما أحاط بها، وما نتج عنها، بلا رومانسية، ولا عاطفة يدمنها عادة من لا يعرف كثيرًا؟ 


لأن هوجة يناير، لو لا ستر الله، كان مقدرًا لها أن تدخل بالمصريين إلى غياهب لا يمكن تخطيها أو الخروج منها أو تجاوز تداعياتها إلا بعد عقود. 


سترها ربنا على المصريين. 


قدَّر الله وما شاء فعل. 


مرت يناير وسلم ربنا ولو أننا لا نزال نعانى من بعض تداعياتها.. على مستوى الاقتصاد، وعلى مستوى الاجتماع. 
هددت يناير الدولة بكيانها كاملًا.. لكن دعنا نتكلم عن الاقتصاد وإليك تلك الأرقام. 


خسرت مصر فى الفترة ما بين يناير 2011 وحتى 2013 خسائر غير مسبوقة، حسب المؤسسات المالية الكبرى فى العالم. 


انعكست مردات تلك الخسائر فى انكماش اقتصادى شديد، ترافق مع معدلات نمو هى الأخرى شديدة الانخفاض مع ارتفاع غير مسبوق فى معدلات البطالة. 


خسر الاقتصاد ما زاد على 477 مليار دولار، وفقد الاحتياطى الأجنبى أكثر من 26 مليار دولار. 


بداية 2013، كانت التصنيفات الائتمانية الدولية لمصر قد وصلت إلى أدنى نظرة سلبية مستقبلية، وفى السنة نفسها خفضت «استاندرد اند بورز» الرؤية الائتمانية لمصر ست مرات. 


ولما كان رموز يناير يتعاركون على الشاشات وفى استديوهات البرامج الحوارية على قيادة الثورة، وعلى الشكل الأمثل لهدم مؤسسات الدولة، ويقدمون النصائح اليومية للشباب الطاهر فى الاعتداء على رجال الجيش أمام مقار المؤسسات الحيوية فى القاهرة والمحافظات، كان الإرهاب يتوغل ويتسرسب من سيناء. 


فى إثيوبيا بدأت الحكومة فورًا مراكمة أطنان الحديد المسلح المستورد بدءًا فى سد النهضة، بالتزامن مع صعود وفد الدبلوماسية الشعبية صاحب الصورة الشهيرة إياها وقتها، عائدًا للقاهرة على طائرة مصر للطيران! 


أخرج رموز يناير الإرهابيين من السجون باعتبارهم «قوى وطنية»، قبل أن يسلم هؤلاء الرموز مقاليد الأمور للإخوان.. ثم ينتحبون بكاء على سرقة الثورة. 


لا تُسرَق الثورات. 


لا تعرف كتب السياسة ولا نظرياتها تعبيرًا كهذا.


لا يعدو مصطلح «سرقة الثورة» كونه تعبيرًا طفوليًا لا يخيل سوى على طلاب المدارس أو كوادر الأسر الجامعية. 


إليك هذه الواقعة الطريفة: مذيع مشهور برر دفاعه عن الإخوان فترة الهوجة بعدم معرفته الجيدة المسبقة بالإخوان! 
صحيح.. هى الحقيقة، إذ تصدى لتثوير الشارع وقتها مجموعة من البنى آدمين بأفق ضيق وجهل واضح بالواقع وبالماضى وبالمستقبل وبالتاريخ، فيما كانت الظروف قد وضعت هؤلاء على شاشات ساهمت فى التدليس على مشاعر من كان يحلم بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية. 


هل أتت يناير بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية؟ 


بالعكس: أتت بالبرادعى وأيمن نور، ورفعت خيرت الشاطر فوق الأعناق، وأدخلت محمد مرسى مكتب رئيس الجمهورية بقصر الاتحادية، فى وقت كان رجالة الجيش والشرطة يدافعون عن ما تبقى من وطن، ويقدمون أنفسهم فداء تراب كان معروضًا فى المزاد العلنى. 


أى عيش وحرية وعدالة اجتماعية تلك التى نادى بها هؤلاء فى يناير؟ 


-2-


أظهرت هوجة يناير رموزًا من ورق كارتون. 


أكثرهم كانوا خطاة، وأغلبهم كانوا مدمنى آثام، تمامًا كما أدمنوا شعارات دفعت فى الطريق إلى ستين داهية. 
خدعت الهوجة بعضهم هذا صحيح، لذلك فإنه على قلة أعدادهم، عليهم أن يعيدوا الآن الفكرة والطريقة وقراءة الأحداث. 


لا بُد من إعادة الأسئلة، الآن، عن المسئولين الفعليين عن تلك الأحداث التى دفعت إلى السطح وجوهًا من «شيوخ المنصر» كما أيام المماليك، وخلَّفت قطاع طرق فى الشارع على طريقة الذين ظهروا على الشاشة فى أفلام عنتر وعبلة زمن الأبيض والأسود! 


مهما كانت المبررات التى يحاول بعضهم الآن التعلل بها، فإن العبرة تبقى بالأحداث الجسام فى النهايات. 


لا تؤخذ العبرة بالنوايا إنما بالمآلات.. وبأعراض المرض وبانتشاره وبآثاره. 


يناير عيد الشرطة.. ذكرى بطولة ووطنية، لا يصح الاعتداد بغيرها، أو الاحتفاء بما أدنى وأضل. 


دروس كثيرة لا بد أن تستفاد عن هوجة  يناير بعدما اتسعت الآن الرؤية، وبعد أن أسقط الزمن الأقنعة وبعد أن دللت الشواهد بصور قاطعة عن التفاصيل. 


أول دروس الهوجة القاسية أن بناء الدول لا يمكن أن يبدأ من الهدم، وأن معادلات التغيير الحقيقية لا تنتهج بالحرق والتآمر والاستقواء بالخارج. 


نستفيد أيضًا مزيدًا من يقين بأن تجار الشعارات إن لم يكونوا مخادعين، فإنهم أفاقون، ثار أغلبهم على الفساد طمعًا فى فرصة فساد. 


الدرس الآخر، هو أن رموز يناير خدعوا الشارع، بعدما لعبوا بالكلام، وحاولوا اللعب بالتاريخ، وكادوا أن يضعيوا الجغرافيا فى جلسات المساء على مقاهى وسط البلد وشارع البورصة والزمالك! 


لا يمكن أن ينكر أحد أن الهوجة أظهرت وجوهًا صفراء، وجلودًا زرقاء. 


ولا ينكر أحد أنها دفعت إلى السطح ألعاب حواة مارسها أصحاب مصالح ومتلونون وتجار فرص استوردوا علب حقوق إنسان من الولايات المتحدة، وطرحوها على النواصى فى شارع محمد محمود والبستان.. وعلى أسطح عمارات شارع ميريت مقابل المتحف المصرى فى التحرير. 


رب ضارة نافعة. 


فلولا أيام الله لا يعودها، ولن يعيدها، لما انكشف الغطاء عن ذقون جديدة، وجلابيب قصيرة. 


ولولاها، لما اكتشف الشارع مروجى بضاعة رخيصة ظهروا فى الميادين وفى أروقة أحزاب تحت التأسيس، ثم فى الصحافة وعلى استديوهات الفضائيات، ليجمعوا نفسهم بربطة المعلم فيدفعوا بالإخوان إلى الاتحادية ثم يبررون أفعالهم بجمل من عينة «لم نكن نعرف»! 


إذا كان بعضهم فعلا قد مارس جهلًا مستطيرًا، فإنه لا يمكن غفرانه. 


ثم إن الجهل لا ينفى، محاولات آخرين التجارة بالأرض والناس، فى الوقت الذى تعمد فيه فصيل ثالث الدخول إلى الدماء المصرية بطرق فيروسية.. وقى الله شرها من نوعية علاء عبدالفتاح. 
 

نقلًأ عن مجلة صباح الخير
 

تم نسخ الرابط