في قوله تعالى على لسان النبي موسى عليه السلام: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) الأعراف 156، في الآية: (هُدْنَا إِلَيْكَ)، بمعنى عدنا إلى الله.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ أمن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)، الذين آمنوا هم اتباع رسالة القرآن، والذين هادوا هم الذين عادوا إلى الله، والنصارى هم الذين أيدوا فكرة النصرة، والصابئين هم من جاءوا بشيء يختلف عما اعتاد عليه الناس.
وكلمة يهود من هدنا، وأضيفت الياء إلى كلمة هدنا لتدل على انعكاس المعنى، فكلمة هدنا تعني حالة التوبة والرجوع إلى الله، وكلمة يهود تعني حالة التقوقع على الذات والانغلاق والشعور بالأفضلية على الناس.
ولذلك عندما يأتي الكلام على لسان اليهود وهم يتكلمون عن أنفسهم تحذف الياء التي تعكس معنى الكلمة، لأنهم ينفون عن أنفسهم تهمة الانغلاق: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أو نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) البقرة 135.
والفرق بين الذين هادوا واليهود، أن الذين هادوا هم من يحكمون بالتوراة، بينما اليهود يمثلون طائفة من الذين هادوا، وهم الذين يحرفون معاني الكلام ويسارعون في الكفر: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) المائدة 41.
وهم أيضا الذين قالوا إن عزير ابن الله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) التوبة 30، واليهود نسبوا تاريخ طائفتهم للذين هادوا، ثم لبني إسرائيل، واليهود في القرآن الكريم يأتون في سياق الذم، بينما الذين هادوا لا يتم ذمهم بنفس الطريقة.
وعندما تشير الآيات القرآنية إلى سلوكيات حدث فيها انحراف مع اليهود لا تأتي الآيات بتعبير"الذين هادوا"، وإنما تأتي الآيات بتعبير"من الذين هادوا".
وعندما عاد الذين هادوا إلى الله بعد حدوث انحرافات في العقيدة، أصبحت فكرة نزول رسالة السماء مقبولة على المستوى الاجتماعي، وكان من يعارض فكرة نزول رسالة السماءهو فرعون.
وعند قبول الذين هادوا لرسالة السماء لم يكن لديهم القدرة على مواجهة فرعون، فتدخلت العقوبة الإلهية التي قضت على فرعون.
وبعد نجاة الذين هادوا انتقلوا إلى تكوين مجتمع مستعد لنزول رسالة السماء، فنزل الكتاب لأول مرة على النبي موسى عليه السلام: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) البقرة 87.
ثم نزل الكتاب مرة ثانية وأخيرة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) الأحقاف 29-30.
لم يأت ذكر كتاب النبي عيسى عليه السلام، لأن كتابه متمم لشريعة الكتاب الذي نزل على النبي موسى، والذي تضمن المبادئ الكبرى والتشريعات والقيم الأخلاقية وأخبار السابقين.
وفي نهاية حياة النبي يعقوب عليه السلام، وصى أبناءه بتوحيد الله: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إبراهيم وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة 133.



