خبراء يناقشون أزمة «أرض الصومال» وتداعياتها الإقليمية والدولية بمعرض الكتاب
استضافت قاعة «المؤتمرات» ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، الجلسة الثانية من مؤتمر «مشكلة أرض الصومال وأثرها على أوضاع الصومال وأفريقيا»، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين المتخصصين في الشأن الأفريقي وقضايا الأمن الإقليمي.
وافتتح الجلسة الدكتور أيمن شبانة، معربًا عن سعادته بالمشاركة إلى جانب كل من الدكتور حمدي عبد الرحمن والدكتور فليفل، مشيرًا إلى أن الجلسة تسلط الضوء على أبعاد قضية «أرض الصومال» وتداعياتها الإقليمية والدولية، ولا سيما ما يتعلق بتوازنات القوى والتدخلات الخارجية.
وخلال كلمته، طرح الدكتور حمدي عبد الرحمن تساؤلًا محوريًا حول أسباب الأهمية الاستراتيجية للصومال بالنسبة لمصر، موضحًا أن المنطقة تشهد حالة دائمة من «التفكيك وإعادة التركيب»، في ظل نظام دولي تشكّل منذ معاهدة ويستفاليا، التي أرست مفهوم الدولة وحدودها السياسية.
وأكد عبد الرحمن أن مصر تمثل دولة محورية في محيطها الإقليمي بحكم أبعادها الجغرافية والثقافية والعلمية، لافتًا إلى أنها تواجه تحديات استراتيجية متعددة، من بينها تهديدات قادمة من الشمال الشرقي تمس استقرار نظم الحكم، وأخرى من الجنوب تتعلق ببنية المجتمع والأمن القومي، وعلى رأسها قضية مياه النيل.
وأشار إلى أن هذا الوعي الاستراتيجي متجذر في التاريخ المصري القديم، مستشهدًا برحلة الملكة حتشبسوت إلى أعماق البحر الأحمر، بوصفها دليلًا على إدراك مصر المبكر لأهمية الجنوب وعمقه الجغرافي والسياسي.
وأضاف أن الحضور المصري في الصومال ليس وليد العصر الحديث، موضحًا أن أول شهيد للدبلوماسية المصرية كان محمد كمال الدين صلاح، الذي استُشهد في الصومال، في واقعة تعكس تشابك العلاقات التاريخية والدينية بين البلدين.
وتناول عبد الرحمن جذور الأزمة الصومالية، مؤكدًا أن حلم الاستقلال كان جامعًا لكل الصوماليين، وتحقق عبر وحدة الشمال والجنوب، إلا أن هذه الوحدة شابها اختلال واضح في توزيع السلطة والثروة، حيث استأثر الجنوب بالنصيب الأكبر منهما.
وأشار إلى أن أول محاولة انقلابية قادها شباب من الشمال وقعت عام 1961، نتيجة اتحاد تم على عجل وبأسس غير متوازنة، كما أن صياغة الدستور دون استشارة الشماليين وإلغاء الاستفتاء أسهما في تصاعد الاحتقان السياسي، الذي بلغ ذروته باغتيال الرئيس عام 1967، ما خلّف جرحًا عميقًا في العلاقات بين الطرفين.
وأكد عبد الرحمن أن النظام الأفريقي يقوم على مبدأ «قدسية الحدود»، وهو ما يجعل الاعتراف بالكيانات الانفصالية مسألة شديدة الحساسية داخل القارة، خشية فتح الباب أمام موجات تفكك جديدة.
وأشار إلى الأهمية الاستراتيجية البالغة لإقليم «أرض الصومال»، نظرًا لموقعه الجغرافي الحيوي على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر، ما يجعله محل اهتمام إقليمي ودولي متزايد.
وأوضح أن النزعات الانفصالية لم تقتصر على «أرض الصومال» فقط، بل امتدت إلى أقاليم أخرى مثل «بونت لاند» وغيرها، وهو ما قوبل برفض واسع خشية انهيار الدولة الصومالية بالكامل.
وتطرق عبد الرحمن إلى التطورات الجارية في جنوب البحر الأحمر، مؤكدًا أن إسرائيل أدركت هشاشة الأوضاع في هذه المنطقة، وسعت إلى تعزيز نفوذها من الجنوب عبر «أرض الصومال»، لضمان موطئ قدم استراتيجي في أحد أهم الممرات الملاحية العالمية.
وكشف عن ثلاث محطات رئيسية في مسار السعي للاعتراف بـ«أرض الصومال»، من بينها توقيع مذكرة تفاهم مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إلى جانب مساعٍ لتشكيل قوات عسكرية في الإقليم، فضلًا عن محاولات أمريكية غير مباشرة، حيث رأت بعض مراكز الفكر، مثل «هيريتيج كيز»، أن الإقليم يمثل موقعًا مثاليًا للتمركز والحماية.
وفي ختام كلمته، أكد عبد الرحمن أن قضية «أرض الصومال» تُعد من أعقد قضايا القرن الأفريقي، لتقاطعها بين اعتبارات الهوية الوطنية، والإرث الاستعماري، ومبدأ وحدة الدولة في مواجهة حق تقرير المصير. ورغم إعلان الإقليم انفصاله منذ عام 1991، فإنه لا يزال يفتقر إلى الاعتراف الدولي، وسط مخاوف واسعة من أن يؤدي هذا الاعتراف إلى موجة جديدة من التفكك داخل أفريقيا.
وأضاف أن الأزمة تنعكس بشكل مباشر على استقرار الصومال، إذ تعمّق الانقسام السياسي، وتضعف مؤسسات الدولة المركزية، وتفتح المجال أمام التدخلات الخارجية، فضلًا عن إطالة أمد الصراع، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توحيد الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.



