الخميس 12 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بقراءة دقيقة فى التعديل الوزارى الجديد، يمكن الوقوف على فلسفته وأهدافه، ودلالاته وآليات تحقيق المستهدفات الثمانية التى وجه بها الرئيس عبدالفتاح السيسى فى خطاب تكليف الحكومة.

 

وفى هذا التحليل ننطلق من قاعدة معلوماتية، معرفية؛ حكومة المهندس مصطفى مدبولى الثالثة، التى حلف وزراؤها الجدد اليمين الدستورية أمس، هى الـ36 فى العصر الجمهورى، والخامسة فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى مؤسس الجمهورية الجديدة.

 

أولًا: فلسفة التغيير:

 

التغيير ليس هدفًا فى حد ذاته، بل أداة لتحقيق هدف رئيسى هو تعزيز قدرة الحكومة على تعظيم وتسريع معدلات الإنجاز فى الملفات كافة، بما يعظم من القدرة الشاملة للدولة المصرية.

 

ومن ثم التغيير ليس تقليدًا، لإشباع رغبات البعض، بل أداة لتحقيق مستهدفات، يسبقه تقييم موضوعى للقدرة على الإنجاز، مع قياس حجم الإنجاز بحجم التحديات الداخلية والإقليمية والدولية، وما تحقق عمليًا على الأرض، من مستهدفات الدولة وقيادتها السياسية، وما يمكن أن يتحقق مستقبلًا، من إصلاحات هيكلية وتعديلات تسهم فى ضخ دماء جديدة، والتاريخ يؤكد أن الوزارات الأطول عمرًا شهدتها فترات الاستقرار السياسى والقدرة على الإنجاز.

 

وبالتدقيق فى التعديل الأخير يمكن استنتاج الآتى:

 

-1 التعديل جزئى بنسبة 51% أسماء جديدة، ومن ثم فلسفته الجمع بين استثمار قدرات الحكومة السابقة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولى، للبناء على ما تحقق رغم التحديات، ضخ دماء جديدة نائبًا لرئيس الوزراء للشئون الاقتصادية و14 وزيرًا جديدًا، وإصلاحات هيكلية بفصل وزارات ودمج أخرى واستعادة وزارات ثالثة، لتعظيم قدرات الحكومة وتسريع معدلات إنجاز المستهدفات.

 

-2 هيكليًا:

 

أ- نائب واحد فقط لرئيس الوزراء هو الدكتور حسين عيسى للشئون الاقتصادية، وهو ما يعكس الاهتمام بالتنسيق بين وزارات الملف الاقتصادى، واهتمام القيادة السياسية بالإصلاح الاقتصادى، ليشعر المواطن بتحسن وثمار التضحيات الكبيرة فى السنوات الماضية.

 

وهنا تجدر الإشارة، إلى أن التشكيل السابق كان له نائبان لرئيس الوزراء هما الدكتور خالد عبدالغفار والفريق كامل الوزير، لكنهما كانا يحملان إلى جانب ذلك حقائب وزارية، وفى التشكيل الجديد نائب فقط بلا حقيبة، ليعطى جهده كاملًا لتحقيق مستهدفات الدولة وما وجه به الرئيس عبدالفتاح السيسى فى التنمية الاقتصادية.

 

ب- فصل وزارة الصناعة عن النقل، ليتحمل الفريق كامل الوزير حقيبة النقل فقط، والمهندس خالد هاشم وزيرًا للصناعة، وهذا يعظم من قدرة وزير النقل فى الإنجاز فى ملفه، ويعكس اتجاه الدولة لتعظيم ملف الصناعة المصرية فى ظل تنامى الشراكات الدولية وتوطين التكنولوجيا، لخلق فرص عمل وخفض الفاتورة الاستيرادية، وتعظيم القدرات التصديرية.

 

ج- فصل التعاون الدولى عن وزارة التخطيط وإدماجها فى اختصاصات وزارة الخارجية لتصبح الخارجية والتعاون الدولى وشئون المصريين بالخارج ويحمل تلك الحقيبة الوزير المتميز الدكتور بدر عبدالعاطى، يعزز من قدرة الوزارة فى تحقيق مستهدفات السياسة الخارجية المصرية المنطلقة من سياسة التوازن الاستراتيجى.

 

والملاحظ فى وزارة الخارجية أن تحميل وزيرها مهام إضافية، سعى لتجنب تحميله عبئًا إضافيًا يعيق المستهدف وهو تعظيم قدرة الوزارة، وليتحقق الهدف ويتلافى التحديات المحتملة، فتم استحداث نائبين للوزير الأول: السفير محمد أبو بكر نائبًا لوزير الخارجية للشئون الإفريقية، وهنا إشارة لأهمية الملف الإفريقى بما له من أبعاد أمن قومى.

 

والثانى: الدكتورة سمر الأهل نائبًا لوزير الخارجية للتعاون الدولى، لتنشيط الملفات الخاصة بالتعاون الدولى، التى أضيفت لمهام الوزارة، بما يحقق المستهدف دون أعباء على الوزير.

 

د- استعادة حقيبة وزير الدولة للإعلام، يسهم فى خلق قناة تنسيق بين الدولة والحكومة والجهات الإعلامية المختلفة، وصياغة سياسات إعلامية عامة معبرة عن الدولة المصرية، تتكامل مع ما تقوم به الهيئات المستقلة، مع تنفيذ الهدف الثامن من توجيهات السيد الرئيس للحكومة «بإيلاء أهمية قصوى بالرأى العام وتبصيره بصفة مستمرة بالحقائق من خلال إعلام وطنى قادر على الوصول إلى كافة مكونات المجتمع وتقديم خطاب مهنى مسئول إليهم، يشكل وعيًا جمعيًا أمام ما نواجهه من تحديات وما ينشر من شائعات ويعزز من ثقافة الحوار وتنمية القدرة على التفكير السليم واحترام الآخرين».

 

ولعل إسناد الحقيبة للكاتب الصحفى القدير ضياء رشوان، بما له من خبرات إعلامية وسياسية ونقابيّة ومهامه السابقة كرئيس للهيئة العامة للاستعلامات بما لها من اتصال بالإعلام الخارجى، يجعله مؤهلًا لأداء دور هام فى تحقيق مستهدفات تعزيز قدرة الإعلام المصرى على تحقيق المستهدفات الوطنية.

 

هـ- دمج وزارة البيئة مع وزارة التنمية المحلية، يعزز من الدور الذى تقوم به وزارة التنمية المحلية ويضع مستهدفات التنمية البيئة كجزء من مستهدفات تماسك المجتمع المحلى بشكل عام.

 

-3 مدة شغل المقعد:

 

الدكتور مصطفى مدبولى احتل المركز الثانى، شغلًا لمقعد رئيس الوزراء، فى تاريخ مصر، بتجاوز مدة ولايته ثمانى سنوات فى التشكيل الأول والثانى للوزارة، وقد سبقته حكومة الدكتور عاطف صدقى الذى ترأس الحكومة من 11 نوفمبر 1986 حتى 2 يناير 1996، نحو تسع سنوات وشهر، وباكتمال حكومة مدبولى الثالثة يكون أطول رئيس وزراء بقاءً فى مقعده فى تاريخ مصر.

 

وفى حين حاول البعض تسويق فكرة أن طول مدة شغل المقعد له دلالة سلبية، وأن التغيير فى المطلق هام، فإن الحقيقة أن تجديد الثقة فى رئيس الحكومة من القيادة السياسية له دلالة إيجابية، ما دام البقاء معياره التقييم الموضوعى، والقدرة على إنجاز مستهدفات الدولة، بأعلى درجة ممكنة فى ظل التحديات.

 

بالسباحة السريعة فى تاريخ الحكومات المصرية، نكتشف الآتى:

 

أ- أقصر وزارة كانت يومًا واحدًا وهى حكومة أحمد نجيب باشا الهلالى فى العهد الملكى؛ تشكلت يوم 22 يوليو 1952، وحلت يوم 24 يوليو 1952.

 

وهناك فى العهد الملكى والجمهورى وزارات عدة قصيرة العمر، بعضها 20 يومًا مثل حكومة حسين سرى من 2 يوليو 1952 حتى 22 من ذات الشهر والعام، وأخرى أشهر أو عام واحد، مثل حكومة الدكتور عبدالعزيز حجازى من 25 سبتمبر 1974 وحتى 16 أبريل 1975.

 

ب- التاريخ يؤكد أن الوزارات قصيرة العمر دائمًا كانت فى حقب الأزمات والهزات السياسية، بينما الأطول عمرًا فى حقب الاستقرار السياسى والإنجاز التنموى، ولدرجة أن رؤساء مصر كافة فى العهد الجمهورى باستثناء الرئيس عبدالفتاح السيسى، ترأسوا حكومات عدة فى أوقات الأزمات السياسية وعدم الاستقرار.

 

على سبيل المثال اللواء محمد نجيب ترأس حكومتين الأولى عمرها 40 يومًا من 8 مارس 1954 حتى 17 أبريل من ذات العام، والرئيس جمال عبدالناصر ترأس ثلاث حكومات أولاها كانت قبل ترؤسه الجمهورية، وآخرها عقب النكسة من 19 يونيو 1967 حتى 19 يونيو 1970.

 

والرئيس محمد أنور السادات ترأس الحكومة من 28 مارس 1973 حتى 25 سبتمبر 1974، وما أدراك ما تلك الأيام التى كانت الدولة تستعد فيها لتحرير سيناء من دنس الاحتلال الصهيونى، ثم كانت الرئاسة الثانية للحكومة قبل استشهاده وفى ظروف سياسية صعبة، من 5 أكتوبر 1978 وحتى 6 أكتوبر 1980.

 

فيما تولى الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك -رحمه الله- رئاسة حكومة واحدة من ٦ أكتوبر 1981 عقب استشهاد الرئيس السادات -رحمه الله- وحتى 3 يناير 1982 ولمدة ثلاثة أشهر فقط.

 

بينما الوزارات القصيرة فى العهد الملكى كثيرة جدًا، نجدها فى العصر الجمهورى كثيرة أيضًا منها حكومة دكتور كمال حسن على عام وثلاثة أشهر وهى ثانى حكومة فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك فكان عمرها عامًا وثلاثة أشهر من 5 يونيو 1984 حتى 4 سبتمبر 1985، ثم حكومة الدكتور على لطفى عام وشهرين، ثم الحكومة الأطول حكومة الدكتور عاطف صدقى تسع سنوات وأشهر من 11 نوفمبر 1986 وحتى 2 يناير 1996.

 

وصولًا إلى ما بعد 2011، توالت الحكومات قصيرة العمر فى ظل الهزات السياسية. حكومتا الفريق أحمد شفيق الأولى 12 يومًا والثانية 20 يومًا، ثم حكومة الدكتور عصام شرف 8 أشهر، وحكومة الدكتور كمال الجنزورى الثانية 9 أشهر، وهكذا.

 

والملاحظ هنا أن الحكومات قصيرة العمر كانت فى أوقات الأزمات والهزات، بينما الأطول عمرًا فى أوقات الاستقرار السياسى، ما يمكنها من الإنجاز والتنمية ومن ثم كسب ثقة القيادة السياسية فى تجديد الثقة بها، وفى حالات الاستقرار السياسى يكون التغيير الكامل للحكومة عندما تعجز عن تحقيق معدلات مقبولة من الإنجاز.

 

ثانيًا: الأهداف الثمانية للحكومة الجديدة ومعيار التقييم

 

كل ما سبق تحليله يستهدف تعظيم قدرة الحكومة على تحقيق المستهدفات الوطنية التى لخصها الرئيس عبدالفتاح السيسى فى ثمانية أهداف رئيسية:

 

-1 التأكيد على محاور التكليف الرئاسى للدكتور مصطفى مدبولى، وهى: الأمن القومى والسياسة الخارجية والتنمية الاقتصادية والإنتاج والأمن الغذائى والمجتمع وبناء الإنسان.

 

وهذا الهدف بالنظر للتعديل الحكومى أوجد آليات لتحقيقه، يلاحظ فى استحداث نائب لرئيس الوزراء للملف الاقتصادى، والدمج بوزارة الخارجية للتعاون الدولى والنظر ورعاية المصريين بالخارج واستحداث نائب للوزير للشئون الإفريقية.

 

-2 وضع خطة لكل وزارة تتضمن مستهدفاتها وجدولًا زمنيًا للتنفيذ والتمويل ومؤشرات قياس للأداء للتقييم والمتابعة.

 

وهذا التوجيه الرئاسى هدف بالغ الأهمية، فكل وزير مسئول وإدارته عن مستهدفات محددة ومن ثم التعديل القادم قائم على ما يحققه كل وزير وما تحققه الحكومة مجتمعة.

 

-3 أولوية تحسين المجموعة الاقتصادية للوضع الاقتصادى باستمرار من خلال قيام نائب رئيس الوزراء بالمشاركة فى وضع الخطط المستقبلية والتنسيق بين أعضائها وتحقيق الانسجام بين مهامهم ومتابعة الأداء، وهذا الهدف يفسر استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية الهدف تنسيق جهود الوزارات المعنية بالملف الاقتصادى ووضع استراتيجيات عمل جماعى تحقق الهدف الذى يصب فى مصلحة المواطن والدولة.

 

-4 مواصلة تنفيذ سياسة ملكية الدولة وزيادة مشاركة القطاع الخاص فى المجال الاقتصادى، وهذا يفسر أن التعديل الحكومى جزئى وليس كلى، فهناك سياسات تواصل الحكومة إنجازها مع تعزيز قدراتها بالتعديل لتحقيق معدلات أداء أعلى.

 

-5 الولوج فى مجالات جديدة لدعم الاقتصاد خاصة التعدين والمعادن النادرة، وتشجيع الابتكارات والأبحاث التطبيقية، وهنا توجيه بالغ الأهمية للحوكمة لخلق موارد دخل جديدة، وملاحقة ثورة المستقبل المعادن وصناعاتها التطبيقية خاصة الرقمية، فالهدف المعادن والصناعات التحويلة، وهو اتجاه تنافس عالمى.

 

-6 الارتقاء المستدام بمنظومة التعليم بجميع جوانبها، والاهتمام بصحة المواطنين وتيسير العلاج، وهنا ملفان بالغا الأهمية: الارتقاء بالتعليم والمنظومة الصحية.

 

-7 إعلاء قيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز وتشجيع المشاركة فى الشأن العام، بإجراءات شفافة تلبى طموح المواطنين، وهو توجيه يتطلب تكاتف جميع الوزارات ويتطلب تواصلًا مع الرأى العام وإتاحة المعلومات وهو الهدف الثامن.

 

-8 إيلاء أهمية قصوى بالرأى العام، وإمداده بالحقائق بشكل دائم من خلال إعلام وطنى قادر على الوصول لجميع فئات المجتمع، يقدم خطابًا مهنيًا مسئولًا، يشكل وعيًا جمعيًا بالحقائق ويراجع الشائعات، وهنا الهدف الأكبر لماذا؟

 

لأن التحدى الأكبر هو الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية، وتعزيز قدرتها فى التنمية، ومجابهة التحديات وحروب الشائعات، ولن يتحقق ذلك بدون وعى صادق، وبناء عقول نقدية تتلقى بفاعلية إيجابية، وأعتقد تلك مهمة رئيسية للإعلام ومؤسسات الدولة كافة، ومهمة وزير الدولة للإعلام العمل على تحقيق هذا الهدف بالتنسيق مع الجهات المعنية وإتاحة المعلومات الحكومية لوسائل الإعلام.

 

ويبقى النجاح مرهونًا بقدرة الحكومة على تحقيق المستهدفات بالقدر الذى يشعر المواطن المصرى بتحسن تدريجى فى الخدمات فى كل المجالات وفى مقدمتها الصحة والتعليم، وكبح جماح الأسعار، وتنمية صناعية تخلق فرص عمل، مع مواجهة البطالة بآليات إبداعية تعزز قدرات الشباب على الولوج إلى فرص جديدة بسوق العمل الحديث.

 

لا يفوتنا تقديم التحية للوزراء السابقين، والأمنيات بالتوفيق للحكومة بتشكيلها الجديد.

 

حفظ الله مصر

 

 

تم نسخ الرابط