قدمت رواية «أولاد حارتنا» حالة معبرة عن الصراع بين الشخصيات التي تسعى لتحقيق العدالة، وبين الذين يسعون للحفاظ على سلطتهم، من خلال البحث المستمر عن العدالة والمساواة ومواجهة الظلم.
أثارت الرواية الجدل بسبب توظيفها للرموز الدينية والتشبه بشخصيات دينية في الأديان السماوية، مما اعتبر مساساً بالمقدسات.
فقد تم استخدام الرمزية الدينية في الرواية، بحيث ظهر تأثير الرموز الدينية في القصص القرآني على كل شخصية من الشخصيات الرئيسية في الرواية، حتى تصور محاولة البحث عن الحقيقة والعدالة في إطار اجتماعي وديني.
وطرحت الرواية أسئلة فلسفية عن طبيعة الحياة وصراع الإنسان مع الواقع والموت والإيمان، كما تستعرض أمثلة من التحولات الاجتماعية التي تعكس تأثير السلطة في حياة الناس، مما يدفعهم إلى اتخاذ قرارات خاطئة.
وقدمت الرواية تحليلًا اجتماعيًا وفلسفيًا للأزمات التي تواجه الإنسان في سعيه وراء العدالة والمعرفة، كل شخصية تمثل موقف إنساني يرفض الظلم ويبحث عن السلام والتسامح.
تدور القصة حول حارة تجسد المجتمع البشري، الناس في الحارة يعيشون تحت وطأة حكم الجبلاوي الذي يمثل السلطة المطلقة التي لا تشبع من القوة، وتحدث حالة من التمرد والعصيان بين الأهالي، ويسعى كل جيل للبحث عن العدل.
تعبر الرواية عن حياة الناس بكل تناقضاتها وأزماتها، من خلال الرمزية الدينية والفلسفية، وقد أثارت رواية أولاد حارتنا جدلاً كبيراً عندما تم ربطها بالمفاهيم الدينية واعتبار شخصياتها تمثل شخصيات دينية مقدسة، مما أدى لمنع الرواية لفترة طويلة.
وفي الرواية العديد من الحكم، وهذا ما يجعل الرواية ليست مجرد أحداث جرت بل تحمل الأفكار التي أراد الراوي عرضها ومنها: «ما كان أيسر أن يقوم العدل دون إراقة الدم»، «ما ينبغي لرئيس القوم أن يسرقهم»، «العبرة في القوة التي تصنع الخير»، «ما ينبغي أن نهتم بسعادة الناس إلى حد إشقاء أنفسنا».
وأيضاً: «الناس في حارتنا يقتلون بسبب مليم، وبلا سبب، فلماذا نخاف الموت عندما تجد له سببا حقا؟»، «لماذا تقتلون إذا كنتم هكذا ترتعبون؟»، «الخوف لا يمنع الموت ولكنه يمنع من الحياة»، والأقوال متعلقة بكل طبقات المجتمع، يستفيدون منها ويستطيعون من خلالها أن يتجاوزوا الكثير من الأخطاء.
أما عن القصة في العمل الأدبي، فكلمة القصة في اللغة تعني المتابعة، لأن القاص يتبع الخبر وأثره، كما في قوله تعالي: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) القصص 11، أي تتبعي خبره: (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) الكهف 64، أي رجعا من الطريق الذي سلكاه يتتبعان الأثر.
والقص بمعنى البيان: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) يوسف 3، والقصص بفتح الصاد بمعنى الخبر، فالقصص معناه المتابعة والتي لا تكون إلا عن طريق البيان وسرد الأحداث والأخبار.
وعلى هذا المعنى اللغوي جاء معني القصة في القرآن الكريم: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) آل عمران 62، أي الخبر الصادق وقال تعالي (نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ) الكهف 13.
كما يوجد فرق بين القصة والأسطورة، فالأسطورة هى الأكذوبة من الكلام كالخرافات، أما القصة القرآنية مبنية على الحقيقة المطلقة التى لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى.
والقصص القرآني منهجه في العبرة وتحويل الحادثة المحلية إلى قضية إنسانية تتكرر في كل زمان ومكان، لذلك يجعل هدف القصص هو العبرة والتفكير: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الأعراف 176.
وعن العبرة من القصص: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) يوسف 111، وعن الحقيقة في القصص القرآني: (نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ) الكهف 13.
والقصص القرآني يختلف عن الرواية لأن الهدف ليس التسلية ولكن العبرة من أجل الهداية، ولذلك لا يحدد الأسماء والأماكن والأزمنة، ويعرض القصة في تتابع المشاهد مع التركيز على الحدث الرئيسي وإهمال الأحداث الفرعية والشخصيات غير المؤثرة.
أما الرواية فهى من الأدوات التي يمكن استخدامها في توضيح حقائق الدين وإظهار أخلاق الأنبياء، ولو ظهرت رواية ما بها أخطاء دينية، يتم نقدها نقداً إيجابياً لتوضيح الحقائق، وليس بالتدخل بالمنع أو المصادرة للفكر والرأي.
مع الوضع في الاعتبار أن الله تعالى هو الذى أعطى الحرية للناس ليؤمنوا به أو ويكفروا به، وهو تعالى الذي سيحكم بيننا يوم القيامة فيما نحن فيه مختلفون.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



