لم يكن تعديل التشكيل الحكومى الأخير مجرد إعادة توزيع للحقائب، بل رسالة سياسية واقتصادية بأن لحظة المراجعة قد حانت. فحين يُستحدث موقع نائب لرئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، دون أن يقترن بحقيبة وزارية تقليدية، فإننا أمام اعتراف صريح بأن الملف الاقتصادى لم يعد يحتمل الإدارة المتفرقة، بل يحتاج عقلا جامعا، وغرفة قيادة واحدة، ورؤية متكاملة تتجاوز البيروقراطية إلى التنسيق الفعال.
الاقتصاد المصرى يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. عقدٌ كامل شهد توسعا فى الإنفاق الاستثمارى، ومشروعات بنية تحتية عملاقة أعادت رسم الخريطة العمرانية للدولة، لكنه شهد أيضا قفزات حادة فى الدين الخارجى، وضغوطا غير مسبوقة على العملة، وتآكلًا فى القوة الشرائية، وتضخمًا أنهك الطبقات الوسطى ومحدودى الدخل. ومع تسجيل الدين الخارجى أرقامًا كبيرة وتزايد أعباء خدمة الدين التى تلتهم نسبة معتبرة من الإيرادات العامة، باتت إدارة الدين - لا مجرد خفضه - أولوية وجودية.
من هنا يمكن قراءة تعيين نائب لرئيس الوزراء لإدارة المجموعة الاقتصادية باعتباره محاولة لإعادة هندسة القرار الاقتصادي. إدارة الدين الخارجى والداخلى، تسريع برنامج الطروحات، التفاوض مع صندوق النقد الدولى، إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية، وضبط أولويات الإنفاق.
كلها ملفات لا تحتمل ازدواجية القرار. التنسيق بين المالية، والتخطيط، والاستثمار، والتجارة والصناعة، لم يعد ترفا إداريا، بل شرطًا للاستقرار.
الحكومة تدرك أن المعركة المقبلة ليست مع الأرقام فحسب، بل مع الزمن. برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى بدأ قبل سنوات أنقذ الدولة من انهيار محتمل، لكنه ترك تشوهات تحتاج إلى معالجة دقيقة؛ اقتصاد يميل للاستهلاك أكثر من الإنتاج، اعتماد واسع على الواردات، مساهمة محدودة للصناعة فى الناتج، وتداخل معقد بين الدولة والقطاع الخاص فى بعض الأنشطة.
غير أن الصورة ليست قاتمة. فمصر تمتلك قاعدة صلبة يمكن البناء عليها. بنية تحتية حديثة، شبكة طرق وموانئ ومناطق لوجستية تؤهلها لتكون مركزا إقليميا للتجارة والطاقة، سوقًا محلية ضخمة تتجاوز مئة مليون مستهلك، وموقعا جغرافيا استثنائيا. الأهم من ذلك، طاقة بشرية شابة إذا أُحسن توظيفها تحولت من عبء ديموغرافى إلى رافعة نمو.
التحدى الآن هو الانتقال من اقتصاد مدفوع بالإنفاق العام إلى اقتصاد يقوده الإنتاج والصادرات والاستثمار الخاص. وهنا تتعاظم أهمية وزارات الاستثمار والتخطيط والتنمية الاقتصادية، التى يُنتظر منها صياغة خريطة أولويات واضحة، تركز على القطاعات ذات الميزة التنافسية مثل الصناعة التحويلية، الزراعة الحديثة، الاقتصاد الرقمى، والطاقة الجديدة والمتجددة.
ملف الصناعة والتجارة الخارجية يظل حجر الزاوية. لا يمكن الحديث عن استقرار العملة دون زيادة حقيقية فى الصادرات وتقليص فجوة الواردات. المطلوب ليس فقط حوافز استثمارية، بل بيئة أعمال مستقرة، وتشريعات مرنة، وتبسيط إجراءات، وعدالة فى المنافسة بين القطاعين العام والخاص. كما أن إعادة هيكلة شركات قطاع الأعمال العام والهيئات الاقتصادية، ودمجها فى الاقتصاد الكلى بكفاءة وشفافية، سيخفف عبئا مزمنا على الموازنة، ويفتح الباب أمام شراكات أكثر رشادة.
التعامل مع صندوق النقد الدولى سيظل جزءًا من المعادلة، لكن الأهم هو صياغة رؤية وطنية واضحة المعالم، لا تكتفى بتنفيذ اشتراطات، بل تبنى نموذجا تنمويا متوازنا، يراعى العدالة الاجتماعية ويستهدف خفض معدلات الفقر بشكل مستدام. النمو ليس هدفا فى ذاته، بل وسيلة لتحسين جودة الحياة، وتوسيع الطبقة الوسطى، وإعادة الثقة فى المستقبل.
الرغبة السياسية فى تحسين الأداء واضحة. التعديل الحكومى جاء فى لحظة إدراك بأن كلفة التأجيل أعلى من كلفة الإصلاح. ومع وجود كفاءات جديدة فى مواقع الاستثمار، والتخطيط، والتنمية الاقتصادية، والصناعة، فإن الفرصة سانحة لإعادة ضبط الإيقاع، وتوحيد الرسالة، والانطلاق برؤية أكثر واقعية ومرونة.
الاقتصاد المصرى لا يبدأ من الصفر، ولا يقف على حافة الهاوية. إنه اقتصاد يملك مقومات القوة، لكنه يحتاج شجاعة المراجعة، ودقة التنفيذ، واستمرارية السياسات. قد تكون المرحلة المقبلة صعبة، لكنها تحمل فى طياتها فرصة تاريخية لتصحيح المسار، وتحرير الاقتصاد من تشوهاته، والانطلاق نحو نموذج أكثر إنتاجية واستدامة.
إنها لحظة اختبار… لكنها أيضا لحظة أمل. ومن يُحسن إدارة اللحظات الفاصلة، يصنع مستقبلا يليق بتاريخه.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



