الجمعة 13 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

  لم يعد التاريخ، في صورته المعاصرة، مجرد سردٍ متصل للوقائع السياسية الكبرى، ولا سجلًّا لتعاقب الدول والملوك والحروب، بل أصبح أكثر انشغالًا بفهم كيف عاش الناس عالمهم وكيف فسّروه. فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين، ومع التحولات التي أحدثتها مدرسة الحوليات الفرنسية، ثم تطور التاريخ الاجتماعي والثقافي، انتقل مركز الثقل من سؤال: ماذا حدث؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف فُهِم ما حدث؟ وكيف صيغت الخبرة في الوعي الشعبي، وفي المخيال، وفي القلق اليومي؟

 

في هذا السياق تبلور تاريخ الذهنيات بوصفه تاريخًا لا يطارد الحدث في ذاته، بل أثره في الوعي؛ تاريخًا لا يكتفي بما قيل رسميًا، بل يلتفت إلى ما استقر في المخيال الجمعي.

ومن هنا أُعيد الاعتبار لمصادر ظلت طويلًا خارج الشرعية الأكاديمية: الأمثال، والحكايات، والنوادر، والطقوس، والأساطير، ثم - على نحو أكثر حساسية - الأحلام. فالأحلام في المجتمعات التقليدية ليست شأنًا نفسيًا فرديًا، بل لغة ثقافية لها معجم رمزي، وحدود تأويل، وقواعد تداول، وتتحول - بمجرد روايتها وتأويلها - إلى نص اجتماعي يكشف توترات المجتمع وآماله ومخاوفه.

 

تكمن القيمة التاريخية لكتب تعبير الرؤيا في أنها تقف عند نقطة تماس نادرة بين التجربة الفردية والنظام الرمزي الجمعي. فالحلم لا يصير ذا قيمة اجتماعية إلا حين يُؤوَّل، والتأويل لا يتم في فراغ، بل داخل منظومة ثقافية وأخلاقية ودينية تحدد ما يُعدّ بشارة وما يُعدّ نذارة، وما يجوز قوله وما ينبغي ستره.

لذلك لا تسجل هذه الكتب ما "حلم به" الناس بقدر ما تسجل ما يُسمَح لهم أن يفهموه عن أحلامهم: خرائط الخوف والرجاء داخل وعيهم الجمعي. ومن هنا يمكن التعامل معها بوصفها معاجم للتمثلات الاجتماعية: كيف يُفهم الجسد؟ كيف تُتصوّر السلطة؟ ما الذي يُخاف منه؟ وما الذي يُرجى؟ وأي سلوك يُعدّ خطرًا يهدد النظام الأخلاقي؟

قبل أن تتبلور هذه الرؤية في الكتابات التاريخية على نطاق واسع، التقط الفنان المصري سعد الخادم هذه الإشارة مبكرًا في كتابه "الفن الشعبي والمعتقدات السحرية"، حين تعامل مع الطلاسم والتمائم والأحلام بوصفها أنظمة حماية رمزية أنتجتها الجماعات الشعبية لمواجهة هشاشتها أمام المرض والموت والفقد والفقر.

 

وكانت لفتته الأهم أنه وجّه النظر إلى كتب تفسير الأحلام وكتب السحر باعتبارها وثائق عن تاريخ الناس العاديين، لا النخب وحدها: تاريخ خوفهم من العين والأرواح والغدر، وتاريخ محاولتهم ضبط عالم غير قابل للضبط بالفعل عبر الرمز والتأويل.

ثم جاء المؤرخ سعيد عبد الفتاح عاشور ليؤكد، في مشروعه عن "المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك"، أن التاريخ الاجتماعي والثقافي لا يُقرأ بالوثيقة الرسمية وحدها، بل عبر ما أنتجه المجتمع لنفسه عن نفسه: عاداته، ومخاوفه، ونظرته إلى السلطة، وعلاقته بالجسد والفضاء العام. في هذا الإطار يصبح إدخال كتب الأحلام خطوة منهجية منطقية، لا ترفًا معرفيًا.

 

من هنا تكتسب أهمية صدور تحقيق علمي رصين لكتاب "البشارة والنذارة في تعبير الرؤيا" لأبي سعد عبد الملك بن محمد الخركوشي (ت 407هـ/1016م)، في تحقيق ودراسة أنجزهما بلال الأرفة لي ولينا الجمال، وصدر عن مركز أبوظبي للغة العربية، إلى جانب تحقيق "تحفة الملوك في التعبير" لأبي أحمد خلف بن أحمد السجستاني (ت 399هـ/1009م) عن دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت.

ولا ينبغي قراءة هذين الإصدارين بوصفهما إنجازين فيلولوجيين فحسب، بل باعتبارهما إعادة إدماج لحقل معرفي كامل في قلب الدراسات التاريخية، بعد أن ظل طويلًا حبيس تصنيفات وعظية ضيقة أو أسيرًا للريبة الأكاديمية.

 

تتمثل القيمة الأولى لهذا المشروع في تصحيحه الجذري للتاريخ النصي، ولا سيما في حالة البشارة والنذارة، إذ يكشف التحقيق العلمي أن نصًا واسع التداول نُسب قرونًا إلى ابن سيرين، بينما هو في حقيقته عمل واعظ صوفي مبكر من نيسابور. غير أن أهمية هذا التصحيح لا تقف عند الاسم، بل تمتد إلى ما هو أعمق: تحرير خريطة علم تعبير الرؤيا من الاختزال، وإظهار تنوعه الداخلي بوصفه علمًا يتقاطع فيه الوعظ، والتصوف، والأخلاق، والرمز، والمعيش اليومي.

أما القيمة الثانية فتتمثل في أن "البشارة والنذارة" لا يعمل كمعجم رموز جامد، بل كمنطق تأويلي يشتغل على ثنائية الوعد والتهديد. وهذه الثنائية ليست دينية فقط، بل اجتماعية بامتياز؛ لأنها تترجم توترات الحياة اليومية إلى لغة رمزية: الخوف من الفقر، والعدو، والمرض، والفضيحة، وانتهاك الحرمات، وهشاشة الأمان داخل الحي والبيت والمدرسة.

 

إذا شاع الظنّ بأن كتب الأحلام معنية باستكشاف الغيب، فإن القراءة التاريخية تكشف أنها - في جانب جوهري - تُصغي إلى الحاضر بلغة رمزية بديلة. فهي لا تكتفي بتأويل الرؤى، بل ترصد عللًا اجتماعية معيشة، وتتيح التعبير حيث يُستحيا التصريح، وتحوّل القلق الجمعي إلى خطاب تحذيري حين يتعذّر الاتهام المباشر.

 

ومن هذا المنظور يمكن قراءة البشارة والنذارة بوصفه نصًا يعيد ترميز ما يتفشّى في المجتمع داخل لغة الحلم، ثم يعيده إلى الوعي في صيغة نذارة أخلاقية.

 

ويبرز في هذا السياق خوفٌ مركزي هو قلق الآباء على الأطفال، لا من المرض وحده، بل من الاعتداء وانتهاك الحرمة داخل الفضاءات القريبة، ولا سيما الكتاتيب. فالكتاب لا يقدّم معجم رموز جامدًا، بل يؤسّس منطقًا تأويليًا قائمًا على استباق الخطر، وهو منطق سيجد امتداداته في كتابات مفسّري العصور اللاحقة.

في هذا الامتداد نفسه، يصوغ المؤرخ ابن شاهين الظاهري المملوكي خرائط إنذار دقيقة حين يؤوّل العبث بالعصافير أو بفراخها بوصفه علامة على خداع الصبيان والمكر بهم؛ لا لأن العصافير مقصودة لذاتها، بل لتحويل "الطيور الصغيرة" إلى استعارة لهشاشة الطفل وقابليته للانتهاك. وتتكرر هذه الدلالة في تقاليد أخرى من تعبير الرؤيا، حيث تُؤوَّل رؤى صيد العصافير أو إتلاف أجنحتها بأنها علامة على معلّم كتاب "يلعب بالصبيان"، أو تُحيل بعض الأفعال الحلمية إلى إتيان الغلمان. ويعزّز النابلسي هذا التصور بتعبيرات قريبة، في منطق أخلاقي صارم لا يتعامل مع الحلم بوصفه مساحة براءة، بل أداة تشخيص وإنذار.

ولا تقف هذه الثقافة التحذيرية عند حدود الجسد والعلاقات القريبة، بل تتسع لتشمل تمثل التاريخ والآخر والعالم الأوسع بوصفها جميعًا فضاءات محتملة للدهشة والخطر معًا. ففي تفسير رؤية أهرام مصر في المنام، لا تُقدَّم الأهرام أثرًا صامتًا، بل علامة غرائبية دالة على الأخبار العجيبة من الأمم السابقة، وعلى الفنون والعلوم، وربما على مواضع اللهو والمتعة.

هنا يتشكل تمثيل مزدوج للتاريخ القديم: إعجاب بالقدم والعظمة، يقابله توجس من الآخر والمعرفة والمتعة، بما يكشف ذهنية ترى الماضي البعيد مجالًا للانبهار والريبة في آن واحد.

ويعمل المنطق نفسه في تفسير رمز التمساح، الذي يُقرأ في الحلم بوصفه عدوًا خائنًا أو قوة غادرة، لكنه يتحول في الواقع المعاش إلى تميمة تُعلّق على العتبات طلبًا للحماية والرزق، في انتقال واضح من الإنذار الرمزي إلى الممارسة الوقائية، ومن الخوف إلى تنظيم رمزي للحياة اليومية.

وفي هذا الأفق ذاته يكتسب رمز المكّاري (العربجي، أو ناقل الناس والبضائع في القاهرة المملوكية) دلالته الخاصة بوصفه تمثيلًا للخطر المتحرك لا المستقر. فالمكّاري، بحكم اختلاطه الدائم بالناس، ومرافقته لهم في السفر، وحضوره في الطرق والفضاءات المفتوحة، يظهر في الأحلام كشخصية ملتبسة تجمع بين الحماية والتهديد.

وقد تحمل رؤيته بشائر بالراحة وتجديد الرزق، لكنها في صيغ أخرى تُحيل إلى الأذى المحتمل، أو السفر القسري، أو التعرض للخطر في الطرقات. ولا تُقرأ هذه الدلالات في سياق مجرد، بل ضمن وعي اجتماعي شديد الحساسية تجاه هشاشة من يُنقَلون ولا يقودون، وفي مقدمتهم الأطفال.

وتتسع خريطة الإنذار أكثر لتشمل تمثل الجسد المعلّق بين الحياة والموت، كما يظهر في رمز البختياري أو بهلوان الحبل. فهذا الجسد، المعرض للسقوط في كل لحظة، يحتل موقعًا لافتًا في كتب تعبير الرؤيا، ولا سيما عند النابلسي، بوصفه تجسيدًا للأعمال الخطرة والهشاشة القصوى. ففي إحدى الرؤى يقول صاحبها: "رأيت أنني نصبته ومشيت عليه"، فيأتي التأويل: "أنت تنصب الحبال وتمشي عليها كالبختياري، ويدل عبوره على الأعمال الخطيرة لقلة من يسلم عليها". هنا لا يعود الحلم وصفًا لمهارة استعراضية، بل تشخيصًا ذهنيًا لحياة تُدار فوق حافة السقوط.

ويجد هذا المعنى صداه في الأدب الشعبي والمسرحي؛ إذ يختزل ابن دانيال الموصلي مأساة هذا الجسد في عبارته القاسية: "وسقطتي لم يُرجَ فيها دوا"، بينما يهبط الرمز إلى أرض الواقع في رواية المؤرخ الغزي عن بهلوان نصب حبله فوق السوق، والناس تحته، ثم انهار الحبل وسقط من عليه ومن تحته معًا. المشهد هنا لا يصف حادثة عرضية، بل يكشف ذهنية ترى في البهلوان صورة مكثفة للخطر الجماعي: جسد واحد يغامر، وجموع تدفع ثمن السقوط.

بهذا المعنى، لا تكمن قيمة البشارة والنذارة وكتب الأحلام الوسيطة في أنها تحكي الماضي فحسب، بل في أنها تكشف استمرارية بُنى ذهنية واجتماعية عميقة: هشاشة الطفل، وخطر الفضاءات التعليمية حين تغيب الرقابة، ومخاطر الاستغلال داخل علاقات القوة الصغيرة. إنها نصوص تحمل إنذارًا اجتماعيًا مبكرًا، لا لأنها تتنبأ بالغيب، بل لأنها تلتقط ما يتفشّى في الواقع وتعيد صياغته في خطاب تحذيري، يضيء الحاضر عبر الماضي، ويذكّرنا بأن التاريخ - في جوهره - علمٌ لفهم ما نخشى أن نراه مباشرة.

ومن هذا المنظور، إذا أردنا تلخيص الدور الذي يمكن أن يؤديه البشارة والنذارة في الدراسات التاريخية المعاصرة، أمكن القول إنه يفتح أفقًا لكتابة ما يمكن تسميته تاريخ الإنذار الاجتماعي: تاريخ الخوف حين يتحول إلى لغة، والقلق حين يُعاد ترميزه، والتهديد حين يُستوعب في التأويل قبل أن يتحول إلى وصايا وتنظيمات.

إنه يضع أمامنا عالمًا لا يظهر في كتب السياسة إلا نادرًا: عالم البيت والطفل والجار والمعلم ورفيق الطريق، وما يعتمل فيه من توترات صامتة. ومن ثم فإن إدماج هذا الكتاب في الدرس التاريخي لا يجعله نصًا مساعدًا على الهامش، بل أداة مركزية لفهم تاريخ الناس كما عاشوه في الخفاء: في الحلم، وفي الرعشة الأبوية، وفي التوجس اليومي، وفي إنذارات الضمير الجمعي.

 

تم نسخ الرابط