تقرير: هبوط أسهم IBM وسط ذعر الذكاء الاصطناعي ومخاوف فقاعة السوق
أفاد تقرير صحيفة "التليجراف" البريطانية بأن في داخل دهاليز غرف الخوادم لمئات من أكبر الشركات في العالم، تدور حواسيب مركزية من صنع شركة "إنترناشيونال بيزنيس ماشينز"، المعروفة اختصارًا "آي بي إم"، تلك الشركة التي توصف بأنها "عتيقة" وفق معايير التكنولوجيا الأمريكية، إذ تأسست قبل أكثر من قرن، لكن حواسيبها العملاقة لازالت تشكل العمود الفقري للبنوك وشركات الطيران وأنظمة الدفع الإلكتروني وغيرها.
ودفعت الخسائر الحادة التي مُنيت بها أسهم الشركة في وول ستريت بسبب حالة الذعر من حدوث فقاعة للذكاء الاصطناعي، صحيفة "التليجراف" البريطانية إلى استعراض تاريخ الشركة وأوضاعها ومستقبلها في السنوات المقبلة، لافتة إلى أنها تأسست عام 1911، وبدأت بتصنيع آلات الجدولة البدائية التي تعمل ببطاقات التثقيب، قبل أن تطور تقنية الحواسيب المركزية في ستينيات القرن الماضي.
وأشار تقرير الصحيفة إلى اعتماد نحو 70% من شركات قائمة "فورتشن 500" حالياً على أجهزتها، وكذلك أكثر من 90% من بنوك العالم.
ورغم المكانة المرموقة التي تتمتع بها الشركة في قطاع الأعمال، فإن "آي بي إم"، المعروفة باسم "العملاق الأزرق" أصبحت أحدث عملاق تكنولوجي يسقط في حبائل الذكاء الاصطناعي، حيث انخفض سهم الشركة بنسبة 13 في المائة يوم الاثنين، مسجلاً أسوأ أداء له منذ أكثر من ربع قرن، وبالتحديد منذ عام 2000، وسط مخاوف من أن أداة جديدة من شركة "أنثروبيك" قد تنهي هيمنتها على قطاع تكنولوجيا المعلومات في الشركات.
وانطلقت حالة الذعر من مدونة زعمت شركة "أنثروبيك"، وهي مختبر في "وادي السيليكون" يُطوّر أداة البرمجة بالذكاء الاصطناعي "كلود"، المنافسة لـ "تشات جي بي تي"، أن تقنيتها قادرة على خفض تكلفة صيانة وتحديث لغة الـ"كوبول" بشكل كبير، وهي لغة برمجة طُوّرت في ستينيات القرن الماضي، وتستخدم في بناء أجهزة شركة "آي بي إم".
وعلى وجه الخصوص، ذكرت الشركة أن ذكاءها الاصطناعي يمكن استخدامه لمساعدة المبرمجين المعاصرين على فهم لغة "كوبول" وترجمتها إلى لغات برمجة أحدث.
هذه اللغة القديمة أصبحت غير رائجة بشكل متزايد، ونادراً ما يجرى تدريسها ضمن مقررات علوم الحاسوب.
ونقلت "التليجراف" عن خبير علوم الحاسوب في جامعة ساري، بروفيسور آلان وودوارد، قوله: "كوبول لغة قديمة جداً"، وجميع من قاموا بتدريس وكتابة لغة "كوبول" هم من جيلي، وهم إما بصدد التقاعد أو قد تقاعدوا بالفعل، ونتيجة لذلك، تتزايد تكلفة صيانتها باستمرار.
ومع تناقص عدد خبراء "كوبول"، تعتمد الشركات حول العالم على شركة "آي بي إم" للمساعدة في ضمان استمرارية عمل هذه الأنظمة، ولا تزال قطاعات حيوية، لا سيما القطاع المالي والبنوك المركزية وأنظمة الدفع وحتى أنظمة مراقبة الحركة الجوية، تعتمد عليها.
وفي الربع الأخير لعام 2025، حققت "آي بي إم" أرباحاً بلغت 5.3 مليار دولار (3.9 مليار جنيه إسترليني) من رسوم الاستشارات، أي ما يقارب ربع إيراداتها.
وأفادت الصحيفة البريطانية أنه بدلاً من الاعتماد على خبراء "آي بي إم" المخضرمين، اقترحت شركة "أنثروبيك" أن الذكاء الاصطناعي قادر على القيام بهذه المهمة.
وقالت الشركة: "لقد تغيرت اقتصاديات تحديث "كوبول"، فالذكاء الاصطناعي يُحسّن هذه الاقتصاديات من خلال تنفيذ آلي (أتمتة) لما كان يتطلب في السابق جيوشاً من الاستشاريين".
وتبين "التليجراف" أنه برغم تأسيسها عام 2021 فقط، فإن قيمة "أنثروبيك" تفوق قيمة "آي بي إم" بكثير، وقد أدى الانخفاض الأخير في أسهم شركة "آي بي إم" إلى انخفاض قيمتها السوقية إلى حوالي 200 مليار دولار، في المقابل، بلغت قيمة شركة "أنثروبيك" هذا الشهر 380 مليار دولار.
وتراجعت أسهم شركات استشارية أخرى في مجال تكنولوجيا المعلومات، حيث هبطت أسهم "أكسنتشر" و"كوجنزانت" بأكثر من 6%، وهي عوامل تسببت في عمليات بيع مكثفة لأسهم "آي بي إم".
من جانبه قال مستشار تقني مستقل وباحث زائر في قسم دراسات الحرب في "كلية كينجز كوليدج لندن"، لوكاس أولجنيك: "لقد عانيت شخصياً من البرمجة بلغة كوبول- وعلى أجهزة آي بي إم المركزية".
وأضاف: "يُعد استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز هذا العمل الشاق تطبيقاً بالغ الأهمية".
وقد لاقت أداة "كلاود كود" من "أنثروبيك" رواجاً كبيراً بين المطورين، نظراً لقدرتها على كتابة التعليمات البرمجية وتصحيحها بشكل شبه تلقائي.
وأصبحت هذه التقنية الخيار الأمثل لما يُعرف بـ"البرمجة التفاعلية"، مما يسمح للمهندسين بالعمل بسرعة أكبر، وللمبرمجين ذوي المعرفة البرمجية المحدودة بكتابة تطبيقات معقدة.
وقال أولجنيك إن الفائدة الحقيقية لتقنية "أنثروبيك" تكمن في تسريع عملية فهم آلية عمل قاعدة بيانات "كوبول" الضخمة للشركات، وكيفية تفاعلها مع بقية أقسام الشركة، خصوصاً مع احتمال مغادرة مطوريها منذ سنوات.
وفي السابق، كان هذا الأمر يستغرق من خبراء ومستشاري "آي بي إم" شهوراً، وذكرت "أنثروبيك" في مدونتها أن هذا أشبه بـ"إعادة هندسة منطق الأعمال لأنظمة بُنيت في عهد نيكسون".
ويضيف أولجنيك: "يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذ آلي (أتمتة) لمرحلة التحليل، التي لطالما كانت الجزء الأكثر تكلفة".
ويأتي الانخفاض الحاد في أسهم "آي بي إم" في ظل مخاوف من فقاعة الذكاء الاصطناعي التي تسيطر على سوق الأسهم. ويهرول المستثمرون لبيع أسهمهم في الشركات التي يُنظر إليها على أنها عرضة للخطر من الجيل الجديد من مختبرات الذكاء الاصطناعي في "وادي السيليكون". ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الشركات معرضة للخطر بالفعل، لكن السوق يسوده نهج "البيع أولاً، ثم التساؤل لاحقاً".
وأُلقي باللوم على مذكرة صادرة عن شركة "سيتريني" للأبحاث بعنوان "أزمة الذكاء العالمية 2028" في عمليات بيع واسعة النطاق لبعض أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية.
وجمعت المذكرة بين أبحاث سوق الأسهم والتكهنات، إذ زعمت أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى خسائر فادحة في الوظائف، ما سيُفضي إلى انهيار اقتصادي. وادّعت أن معدل البطالة في الولايات المتحدة سيصل إلى 10% بحلول عام 2028، وأن سوق الأسهم سيبلغ ذروته في أكتوبر 2026 قبل أن ينهار.
وأوردت المذكرة شركات مثل "دور داش"، المالكة لشركة "ديليفيرو"، وشركة "أمريكان إكسبريس"، كضحايا محتملين للذكاء الاصطناعي.
وادعى الباحثون أن بإمكان المستخدمين برمجة نسخهم الخاصة من "دور داش"، وزعموا أن شركة "أمريكان إكسبريس" ستتضرر من تزايد استخدام روبوتات الدردشة في التسوق.
وادعت شركة "سيتريني" أن التكنولوجيا، التي قادت إلى حدوث طفرة في "الناتج المجلي الإجمالي الوهمي"، تسببت في استفادة شركات الذكاء الاصطناعي منها، لكنها لم تعد بالنفع على الاقتصاد ككل.
وذكر البحث: "في مقابل كل وظيفة جديدة أوجدها الذكاء الاصطناعي، خلفت وراءها عشرات من الوظائف عفا عليها الزمن".
ونقلت "التليجراف" عن المحلل في "دويتشه بنك"، جيم ريد، قوله يوم الثلاثاء: "وصلني البحث حوالي عشر مرات في أواخر الأسبوع الماضي، وعلى الرغم من اعتماده بشكل كبير على السرد والعاطفة بدلاً من الأدلة القاطعة، فقد بدا أنه تسبب في انهيار شركات البرمجيات الأمريكية".
ورغم انهيار أسهمها، أصرت شركة "آي بي إم" على أن أعمالها لا تزال قوية، وكتب روب توماس، كبير مسؤوليها التجاريين، الاثنين: "القيمة التي يقدمها نظام "آي بي إم" المركزي لا علاقة لها بلغة "كوبول"، فترجمة الشفرة البرمجية شيء، وتحديث المنصة شيء آخر تماماً".
تمتلك شركة "آي بي إم" روبوتها البرمجي الخاص "واتسون إكس"، المصمم للمساعدة في حل مشكلة تحديث الحواسيب المركزية التي تستهدفها شركة "أنثروبيك".
وفي الوقت نفسه، ارتفعت مبيعاتها الفصلية بنسبة 12% لتصل إلى 19.7 مليار دولار في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025.
ويضيف وودوارد، من جامعة ساري، أن الشركات الحيوية، كالبنوك، من غير المرجح أن تُطلق العنان لروبوت ذكاء اصطناعي على حواسيبها، نظراً للمخاطر المالية المترتبة على ذلك.
ويقول: "هذه الأنظمة ليست بسيطة، ولن يسمح المسؤول عنها للذكاء الاصطناعي بالتحكم بها".
وتختتم "التليجراف" تقريرها مؤكدة أنه مع ذلك، يكشف انخفاض أسهم "آي بي إم" أن لا أحد بمنأى عن ذعر الذكاء الاصطناعي.





