تقرير: الحرب على إيران تهدد مكاسب ترامب الاقتصادية
قبل أسبوع واحد فقط، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الكونجرس ليؤكد أن أجندته الاقتصادية تحقق نتائج ملموسة، مشيرًا إلى ارتفاع سوق الأسهم، وتراجع أسعار البنزين، وتباطؤ التضخم، إضافة إلى انخفاض معدلات الفائدة على الرهن العقاري، لكن بعد أقل من 4 أيام، بدأ قصف إيران، ما وضع تلك المكاسب الاقتصادية في دائرة الخطر.
وبعيدًا عن الخسائر البشرية للحرب، أدت المواجهات في الشرق الأوسط إلى اضطراب الأسواق وتعطيل سلاسل الإمداد؛ وهو ما يهدد بارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين الأمريكيين في العديد من القطاعات، بدءًا من قروض المنازل وصولًا إلى أسعار البقالة، وذلك في وقت تتزايد فيه النظرة السلبية لدى الأمريكيين تجاه الاقتصاد، مع تراجع ثقة المستهلكين خلال العام الماضي، وظهور مؤشرات على ضعف سوق العمل. وفق شبكة "سي.إن.بي.سي." الأمريكية.
ويعتمد حجم التأثير الاقتصادي للحرب مع إيران على مدة استمرارها، كما أن انتقال آثارها إلى المستهلكين قد يستغرق بعض الوقت، وكان ترامب قد أشار في البداية إلى أن الصراع قد يستمر ما بين أربعة إلى خمسة أسابيع، لكنه ألمح، الجمعة الماضية، إلى احتمال امتداده لفترة أطول، حيث كتب على وسائل التواصل الاجتماعي: «لن يكون هناك اتفاق مع إيران إلا بالاستسلام غير المشروط».
وفي حين لا يزال المسار القادم للصراع غير واضح، فإن الحرب بدأت بالفعل في تهديد بعض المكاسب الاقتصادية التي أعلنت عنها إدارة ترامب.
(أسعار الوقود)
من أبرز التحسنات التي شهدها الاقتصاد، والتي كثيرًا ما تحدث عنها ترامب، تراجع أسعار الوقود، وخلال خطاب الاتحاد، قال ترامب إن أسعار الوقود في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن كانت «كارثية بصراحة»، قبل أن يتحدث عن الانخفاض الذي شهدته الأسعار خلال العام الأول من ولايته الثانية.
إلا أن الأرقام التي أشار إليها ترامب كانت منخفضة بشكل مضلل؛ إذ قال على سبيل المثال إن سعر الوقود في ولاية آيوا يبلغ 1.85 دولار للجالون، بينما كان هذا السعر يخص نوعًا خاصًا من وقود الإيثانول يُستخدم في نسبة محدودة من المركبات، ومع ذلك، بلغ متوسط سعر الجالون العام الماضي نحو 3.10 دولار، بانخفاض قدره 21 سنتًا مقارنة بالعام السابق. وفق "سي.إن.بي.سي.".
وقد تراجعت الأسعار أكثر في يناير، لكنها ارتفعت - خلال الأسبوع الماضي - بنحو 32 سنتًا لتصل إلى 3.32 دولار للجالون يوم الجمعة، وتشير تقديرات منصات تتبع أسعار الوقود إلى احتمال ارتفاعها بين 10 و30 سنتًا إضافية للجالون خلال الأسبوعين المقبلين.
ورغم أن إيران تنتج حصة محدودة من النفط العالمي، فإن القتال في المنطقة أدى إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق في الخليج العربي يمر عبره أكثر من 20% من إمدادات النفط في العالم.
وأدى اضطراب حركة الشحن إلى قيام العراق بخفض إنتاجه النفطي في وقت سابق من الأسبوع، كما أفادت تقارير بأن الكويت بدأت تقليص إنتاجها أيضًا، في ظل توقف الصادرات وامتلاء مرافق التخزين.
وقفزت أسعار النفط - الجمعة الماضية - بعدما حذرت دول الخليج العربي من أن الصراع قد يضطرها إلى وقف الصادرات، وارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 8% لتصل إلى 87.51 دولارًا للبرميل.
واعترف ترامب بأن أسعار النفط سترتفع نتيجة الصراع، لكنه أشار إلى أنه يتخذ خطوات لإعادة حركة الشحن في المنطقة، مشيرًا إلى أن البحرية الأمريكية قد ترافق السفن عبر الممر «إذا لزم الأمر»، وأن الولايات المتحدة ستقدم ضمانات تأمين لشركات الشحن، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل.
وقال ترامب: «إذا ارتفعت أسعار النفط قليلًا لفترة قصيرة، فبمجرد انتهاء هذا الأمر ستنخفض الأسعار، وأعتقد أنها ستصبح أقل من أي وقت مضى».
كما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أنها ستخفف بعض القيود على قدرة الهند على شراء النفط الروسي لزيادة المعروض في السوق، ويرى محللون في قطاع الطاقة أن خيارًا آخر لخفض الأسعار يتمثل في السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة.
(ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد)
شهد التضخم الأمريكي تباطؤًا ملحوظُا - خلال العام الماضي - ورغم أنه لا يزال أعلى قليلًا من المستوى المستهدف من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فإنه تراجع مقارنة بالمستويات القياسية التي سجلها في عام 2022، وهو ما منح ترامب نقطة قوة في الترويج لسياساته الاقتصادية.
وقال ترامب - خلال خطاب الاتحاد - «إدارة بايدن وحلفاؤها في الكونجرس تسببوا في أسوأ تضخم في تاريخ بلادنا، لكن خلال 12 شهرًا فقط خفضت إدارتنا التضخم الأساسي إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من خمس سنوات».
إلا أن الأسعار قد تبدأ في الارتفاع بوتيرة أسرع مع استمرار القصف في الشرق الأوسط، وقدر بنك "جولدمان ساكس" الأمريكي أن التضخم قد يرتفع إلى 2.7% بحلول مايو مقارنة بنحو 2.4% خلال ديسمبر.
وقال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورجان تشيس" الأمريكي، إن التأثير التضخمي لن يكون كبيرًا إذا لم يطل أمد الصراع، لكنه قد يصبح مختلفًا إذا استمر لفترة طويلة.
كما يمر عبر مضيق هرمز نحو ثلث تجارة الأسمدة في العالم، وقد ارتفعت أسعار الأسمدة - خلال الأسبوع الماضي - بعد أن كانت بالفعل عند أعلى مستوياتها منذ عقود؛ وهو ما يأتي في توقيت حساس للمزارعين في العديد من الولايات الأمريكية الذين يستعدون لموسم الربيع للزراعة.
وتهدد الحرب في الشرق الأوسط - أيضًا - بتعطيل سلاسل الإمداد العالمية، حيث بدأت بعض الشركات بالفعل في تغيير مسارات الشحن بعيدًا عن المنطقة، وأعلنت شركة الشحن العالمية "ميرسك" أنها ستتوقف عن إرسال بعض سفنها عبر البحر الأحمر، وستعيد توجيهها عبر طريق أطول حول الطرف الجنوبي لأفريقيا.
كما تأثرت حركة الشحن الجوي بسبب القيود على الطيران، إذ يمر نحو 13% من الشحن الجوي العالمي عبر الشرق الأوسط، سواء عبر طائرات الشحن أو داخل الطائرات التجارية.
وفي خطوة أخرى قد تزيد التوترات التجارية، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستوقف جميع أشكال التجارة مع إسبانيا بسبب ما وصفه بعدم دعمها للهجمات على إيران.
(ارتفاع تكاليف قروض المنازل)
قد يبدو سوق الإسكان الأمريكي بعيدًا عن الحرب في الشرق الأوسط، لكن الصراع مع إيران يدفع معدلات الفائدة على الرهن العقاري إلى الارتفاع، ما يزيد تكلفة شراء المنازل بالنسبة للأمريكيين.
وخلال خطاب الاتحاد، قال ترامب إن متوسط مدفوعات الرهن العقاري السنوية انخفض بنحو 5 آلاف دولار، مع تراجع الفائدة من نحو 7% عندما تولى منصبه إلى 5.98% قبل بدء الهجمات على إيران، لكن هذه المعدلات بدأت في الارتفاع مجددًا هذا الأسبوع، إذ وصلت إلى 6.13% لقروض الرهن العقاري الثابتة لمدة 30 عامًا.
وترتبط معدلات الرهن العقاري ارتباطًا وثيقًا بعوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، والتي ارتفعت خلال الأيام الأخيرة مع تزايد المخاوف من أن الصراع قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم، كما أن زيادة التضخم قد تدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى التريث في خفض أسعار الفائدة؛ وهو ما ينعكس بدوره على تكاليف القروض العقارية.
من جانبه، أكد البيت الأبيض مواصلة استراتيجيته الاقتصادية القائمة على خفض الضرائب وتقليل القيود التنظيمية وفرض المزيد من الرسوم الجمركية، حيث قال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي إن الأمريكيين يمكنهم الاطمئنان إلى أن الأفضل لم يأت بعد في الولاية الثانية لترامب مع استمرار تنفيذ هذه السياسات الاقتصادية.
(سوق الأسهم)
كان ارتفاع سوق الأسهم أحد أبرز محركات الاقتصاد خلال العام الأول من الولاية الثانية لترامب، حيث ارتفع مؤشر «إس آند بي 500» بنحو 13% خلال تلك الفترة، وقد استفادت الأسر الأكثر ثراءً بشكل خاص من هذا الارتفاع، إذ تمتلك الحصة الأكبر من الاستثمارات في الأسهم، وهو ما ساهم في دعم مستويات الإنفاق.
وقال ترامب - خلال خطاب الاتحاد - إن ملايين الأمريكيين شهدوا ارتفاعًا كبيرًا في مدخراتهم التقاعدية نتيجة الأداء القوي لسوق الأسهم، لكن القتال في الشرق الأوسط ضغط على الأسواق هذا الأسبوع، إذ تراجع مؤشر «إس آند بي 500» بأكثر من 1% في بداية تداولات يوم الجمعة، ليصل إجمالي تراجعه منذ بداية العام إلى نحو 2%.



