الموضة العالمية ترتدى ثياب الشعوب الأصلية
تراث.. للبيع
ليست كل صيحة جديدة فى عالم الموضة وليدة خيال المصممين، فبعضها يحمل فى طياته تاريخًا طويلًا من الحرف، والهوية، والانتماء. لكن، حين تنتقل هذه العناصر من سياقها الأصلى إلى منصات العرض العالمية، تبدأ الأسئلة الصعبة بالظهور: هل ما نراه إلهام مشروع، أم استغلال مُقنع؟
خلال السنوات الأخيرة، لم تعد صناعة الموضة مجرد مساحة للإبداع والجمال، بل تحولت فى كثير من الأحيان إلى ساحة جدل ثقافى وأخلاقى حول حدود الإلهام وحقوق الشعوب فى تراثها، حيث تكررت الاتهامات لدور أزياء كبرى باستغلال رموز ثقافية وأزياء شعبية دون الاعتراف بأصحابها الأصليين أو منحهم حقهم المادى والمعنوى.
من عرض أزياء إلى أزمة دبلوماسية
أفادت وكالة «رويترز» بأن واحدة من أكبر وأشهر دور الأزياء الإيطالية أعلنت عن خطة لإنتاج صنادل مستوحاة من التصميم الهندى التقليدى المعروف باسم «كولهابوري»، بسعر يقارب 800 يورو (930 دولارًا) للزوج الواحد؛ موضحة أن المشروع يشمل إنتاج نحو 2000 زوج فى «الهند» بالتعاون مع جهات محلية، وتوزيعها فى 40 متجرًا عالميًا، بالإضافة إلى برنامج تدريب يمتد لثلاث سنوات يستهدف نحو 180 حرفيًا؛ لتحول بذلك رد الفعل العنيف على الاستيلاء الثقافى إلى تعاون مع الحرفيين الهنود.
ففى يونيو 2025، وخلال أسبوع الموضة فى «ميلانو»، عرضت الدار الإيطالية مجموعة من الصنادل الجلدية البسيطة ظاهريًا، لكن هذه البساطة كانت كفيلة بإشعال أزمة، إذ لاحظ متابعون أن التصميم يكاد يكون نسخة مطابقة لصنادل «كولهابوري» الهندية، وهى حرفة تقليدية تعود جذورها إلى القرن 12، وتُنتج يدويًا فى ولايتى «ماهاراشترا، وكارناتاكا».
وتُعرف هذه الصنادل بجلودها الطبيعية ونقوشها اليدوية، وتحمل طابعًا ثقافيًا واقتصاديًا مهمًا لآلاف الحرفيين. كما أنها مُسجلة كمؤشر جغرافى (GI)، ما يعنى أنها مرتبطة رسميًا بمنطقة إنتاجها. ورغم ذلك، قُدمت فى عرض لدار الأزياء الشهيرة دون أى إشارة إلى هذا الإرث.
لم يكن الفارق فى نسب العمل فحسب، بل فى القيمة أيضًا.. ففى الأسواق المحلية، يتراوح سعر الصندل الأصلى بين 10 و20 دولارًا، بينما حددت الدار ،التى تعتبر واحدة من الماركات العالمية الأعلى سعرًا، ثمن منتجها بنحو 750 إلى 900 دولار. هذا الفارق الضخم أعاد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا حول من يستفيد –فعليًا- من عولمة الموضة.
وبالنسبة لردود الفعل فى «الهند» كانت سريعة وحادة. فالحرفيون والنواب البرلمانيون، والمنظمات الثقافية اعتبروا ما حدث استيلاءً ثقافيًا، وطالبوا باعتذار رسمى وتعويضات. كما رُفعت دعوى قضائية فى «بومباى»، ركزت على أن المنتج محمى قانونيًا كمؤشر جغرافى.
وبالفعل، اعترفت الشركة –لاحقًا- بأن تصميمها مستوحى من الأساليب الهندية القديمة، وبدأت محادثات مع مجموعات من الحرفيين الهنود للتعاون، ثم وقعت اتفاقية مع شركتين تعملان على تعزيز تراث الجلود فى «الهند».
العمامة السيخية
وإذا لم تكن هذه الحادثة الأولى، فإنها بالتأكيد ليست الأكثر عزلة عن سياق أوسع من الجدل.
ففى مايو 2019، واجهت إحدى كبرى دور الأزياء انتقادات جديدة بعد أشهر قليلة من سحبها «منتج سابق» بسبب اتهامات بالعنصرية، فأثار عرض عمامة باسم (Indy Full Turban) للبيع، عبر متجر «نوردستورم» مقابل 790 دولارًا موجة غضب، خاصة من مجتمع السيخ، إذ تتشابه هذه العمامة مع العمائم التى يرتديها السيخ حول العالم، ما دفع كثيرين لاعتبار المنتج مثالًا على الاستحواذ الثقافى، وعدم احترام الرموز الدينية.
كما أعرب أفراد من المجتمع السيخى عن استيائهم من تسويق العمامة كاكسسوار يمكن ارتداؤه وخلعه بسهولة، فى حين أنها تحمل لديهم دلالات دينية عميقة.
واستجابةً للانتقادات، قامت الشركة بسحب المنتج من موقعها وقدمت اعتذارًا؛ مؤكدة أنها لم تقصد الإساءة لأى رمز دينى أو ثقافى.

معطف بيهور الرومانى
ومن «الهند» إلى أوروبا، تكرر المشهد بصيغ مختلفة ولكن بجوهر واحد.
ففى عام 2017، عرضت واحدة من أهم دور الأزياء الفرنسية معطفًا ضمن إحدى مجموعاتها بدا مشابهًا لتصميم تقليدى من منطقة «بيهور» فى «رومانيا»، إذ تميز المعطف بتطريزات هندسية وزخارف يدوية مرتبطة بالزى الشعبى المحلى فى المنطقة. وعُرض القطعة ضمن مجموعة فاخرة، حيث بلغ سعرها نحو 30 ألف يورو.
بعدها، لاحظت وسائل إعلام، ومهتمون بالتراث الشعبى التشابه الكبير بين التصميم المعروض، والتطريزات التقليدية التى تنتجها مجتمعات حرفية فى «رومانيا»، ما أثار انتقادات حادة واتهامات بانتحال تصاميم للأزياء التقليدية الرومانية.
ودعت مجموعة «لا بلوز رومان» للأزياء -حينها- الدار الفرنسية إلى إعطاء حقوق ملكية تلك الأزياء حصرًا إلى مصممى الأزياء التقليدية الرومانيين.
من جانبها، أطلقت مجلة «بو موند» الرومانية حملة (بيهور للخياطة)، كوسيلة لمكافحة ظاهرة الاختلاس الثقافى.
تراث يطالب بالإنصاف
على نحو مشابه، برزت «المكسيك» –أيضًا- كساحة لهذا النوع من الصدامات الثقافية.. حيث اتهمت «المكسيك» عددًا من العلامات التجارية العالمية بالاستحواذ الثقافى بعد استخدام تصاميم تقليدية تعود لمجتمعات السكان الأصليين دون إذن أو تعويض.
وفى وقت ترى فيه بعض الشركات أن ما تقوم به هو تطوير أو إعادة تخيل، يرى منتقدون أنه شكل حديث من أشكال الاستغلال.
احترام وحماية المصدر الثقافي
وفى هذا الصدد، قالت «منال بدوى» خبيرة الموضة ومصممة الأزياء -فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إن استخدام التراث الثقافى فى الموضة إلهامًا مشروعًا عندما يتم احترام المصدر الثقافى، عبر الاعتراف وذكر مصدر الثقافة بكل تجرد، أو التعاون مع مصممين من الثقافة نفسها، وحينها فإن التاريخ يُعرض بشكل واضح، دون أى تشويه لمعناه، أو التعدى على أصوله، حسب قولها.
وأوضحت أنه على النقيض، عندما تُؤخذ العناصر الثقافية دون نسبها أو استفادة لأصحابها الأصليين بهدف الربح فقط، فإنه يتحول إلى استغلال، أو سرقة ثقافية، أو كتقديم العنصر وكأنه اختراع جديد للعلامة التجارية، مثل: استخدام رموز مقدسة أو أزياء تقليدية لشعب معين كصيحة عصرية، دون فهم معناها، أو الإشارة إلى أصلها؛ مؤكدة أن الحد الفاصل فى هذا الأمر، هو الاحترام والتقدير، مقابل الاستغلال والتهميش.
وفى هذا السياق، اعتبرت «بدوى» أنه من الأفضل أن تشارك دور الأزياء أصحاب التراث الأصليين ماديًا ومعنويًا عند استخدام تصاميم أو رموز مستوحاة من ثقافتهم، خاصة إذا كانت هذه العناصر تحمل قيمة تاريخية، أو هوية خاصة بالمجتمع لتحقيق العدالة والاحترام، والمساعدة فى حفظ التراث من التشويه أو الاستغلال، وتقديم التصاميم بصورة أكثر أصالة ووعيًا.
ثم أضافت أن الحماية الفعالة لا تعنى منع الموضة من الاستلهام، بل ضمان أن يكون هذا الاستلهام عادلًا، ويعود بالنفع على أصحاب التراث الأصليين، بدلًا من استغلاله تجاريًا، من خلال سن قوانين تمنع نسخ التصاميم التقليدية، وحماية الملكية الفكرية، كتسجيل التصاميم التقليدية كتراث ثقافى محمى يندرج فى هذه الفئة.
كما أكدت أن فكرة دعم الحرفيين المحليين وتمكينهم تعد وسيلة تساعدهم أن يكونوا جزءًا من عملية الإنتاج وليسوا مجرد مصدر إلهام فقط.

خيط رفيع بين الاستيلاء والتقدير الثقافي
من جانبها، أوضحت «ميمى رعد» خبيرة المظهر –فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- أن الاستيلاء الثقافى على الحرف التقليدية يحدث عندما تلجأ بعض الشركات العالمية إلى تبنى زخارف، أو تقنيات، أو تصاميم تراثية تعود لمجتمعات محلية أو شعوب أصلية، دون الحصول على إذن أو تقديم اعتراف واضح أو تعويض عادل لأصحاب هذا التراث؛ منتقدة هذه الممارسات باعتبارها شكلًا من أشكال الاستغلال، إذ تحقق العلامات التجارية أرباحًا من ملكية فكرية ثقافية لا تخصها، فضلًا عن تحويل رموز تقليدية أو مقدسة إلى مجرد صيحات موضة مؤقتة، مع استغلال الأعمال اليدوية للحرفيين المحليين دون إشراكهم أو منحهم نصيبًا من الأرباح.
وأوضحت أن الحرفيين التقليديين لا يستطيعون منافسة العلامات التجارية العالمية التى تعتمد على الإنتاج الضخم، فى حين يرتكز عمل الحرفيين على تصنيع قطع يدوية أصلية باستخدام مواد طبيعية نادرة، وهو ما يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، ويجعل كل قطعة فريدة بطابعها الخاص؛ مضيفة أن محدودية وصول الحرفيين إلى المستهلك بشكل مباشر تؤثر سلبًا على حجم دخلهم وفرص انتشار منتجاتهم.
ثم شددت «رعد» على أهمية التفرقة بين استغلال الثقافة والاحتفاء بها؛ موضحة أن (الاستيلاء الثقافى) يعنى استخدام الرموز والعناصر التراثية دون إذن، مع تجريدها من معناها الروحى والاجتماعى، وتحويلها إلى سلعة يستفيد منها الطرف الأقوى اقتصاديًا وثقافيًا.
أما (التقدير الثقافى) –من وجهة نظرها- فيقوم على فهم السياق الثقافى، والحصول على موافقة أصحاب التراث، والتعاون المباشر مع الحرفيين، إلى جانب منحهم التقدير المناسب ومشاركتهم الأرباح والاعتراف بانتماء هذا التراث إلى مجتمع بعينه.
وفى هذا السياق، أشارت «رعد» إلى «إيف سان لوران» (YSL)؛ موضحة أنه يُعد لدى عدد من النقاد المعاصرين نموذجًا للجدل المرتبط بالاستحواذ الثقافى، نتيجة اعتماده على الحرف التقليدية والجماليات غير الغربية فى تصميماته؛ بينما يرى آخرون أنه كان يقدم نوعًا من التحية والتقدير لتلك الثقافات، وأنه أبدى احترامًا كبيرًا لها، إذ استلهم أعماله مرارًا من التأثيرات الشرقية والأفريقية والآسيوية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضى، وهو ما اعتُبر –آنذاك- توجهًا ثوريًا فى عالم الموضة، لكنه يُعاد تقييمه اليوم باعتباره توظيفًا لإبداعات ثقافات مهمشة ضمن صناعة أزياء غربية تحقق أرباحًا واسعة.
كما أشارت إلى تجربة «ماريا جرازيا كيوري» خلال عملها مع (ديور)، حيث استعانت بعدد من الحرفيين التقليديين فى دول مختلفة للمشاركة فى تنفيذ أزياء مستوحاة من ثقافتهم وتقاليدهم، فى محاولة لتقديم نموذج أكثر تعاونًا واحترامًا للتراث المحلى.
نقلا عن مجلة روز اليوسف



