فى السياسة هناك اتفاقات تعيش سنوات ثم تنهار وهناك اتفاقات تولد ميتة منذ اللحظة الأولى ومذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران فى تقديرى تنتمى إلى النوع الثانى.. لم تمت لأنها تعرضت لاختبار صعب وإنما لأنها لم تولد أصلًا برواية سياسية واحدة تجمع أطرافها.
واليوم ومع التصريحات الأمريكية التى تتحدث عن انتهاء المذكرة وعودة أجواء التوتر والتصعيد يبدو واضحًا أن ما جرى لم يكن سلامًا مؤجلًا بل هدنة مؤقتة فرضتها حسابات اللحظة فقط ولم تستند إلى تفاهم حقيقى حول مستقبل الصراع.
فالورق سبق السياسة والتوقيع سبق التوافق والدبلوماسية حاولت أن تختصر مسافة لم تكن موازين القوى قد قطعتها بعد.
خرج كل طرف وهو يروى قصة مختلفة واشنطن تحدثت عن فرصة لاحتواء الأزمة وفتح باب التفاوض وطهران قدمت ما جرى باعتباره اعترافًا أمريكيًا بحدود القوة العسكرية.. أما الوسطاء فاحتفلوا بما اعتبروه نجاحًا دبلوماسيًا.. لكن الاتفاق الذى يحتاج إلى ثلاث روايات حتى يفسر وجوده هو اتفاق يفتقد منذ لحظته الأولى أهم عناصر الاستمرار..وهى الرواية المشتركة فالسياسة لا تعيش بالنصوص وحدها وإنما بالتفاهم على محددات واضحة .
ولهذا فإن احتمالات عودة المواجهة فى تقديرى لا تزال أكبر من احتمالات الوصول إلى سلام دائم..ليس لأن الحرب قدر محتوم وإنما لأن جذور الأزمة ما زالت كما هى.
الملفات الكبرى لم تُغلق وموازين الردع لم تستقر وحسابات القوة لم تصل بعد إلى نقطة التوازن التى تدفع الأطراف إلى تسوية نهائية.
وما دام أصل الصراع قائمًا فإن أى تهدئة تظل مجرد إدارة مؤقتة للأزمة وليست نهاية لها.
لكن الخطأ الأكبر هو اختزال المشهد فى العلاقة الأمريكية الإيرانية وحدها. فهذه ليست سوى إحدى علامات تحول أوسع بكثير.
الشرق الأوسط كله يعيش لحظة إعادة تشكيل تاريخية ربما تكون الأعمق منذ نهاية الحرب الباردة. نظام إقليمى يتراجع ببطء بينما لم يولد النظام الجديد بعد.. وفى المسافة بينهما تتحرك المنطقة فوق أرض يعاد رسمها سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا.
خرائط النفوذ تتغير وموازين القوة يعاد تعريفها والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والاقتصاد أصبحت عناصر لا تقل تأثيرًا عن الجيوش فى صياغة المكانة والنفوذ.
ولهذا فإن قراءة كل تهدئة باعتبارها سلامًا أو كل تصعيد باعتباره بداية حرب شاملة تبدو قراءة متعجلة فى الزمن الذى نحيا.. فنحن لا نعيش نهاية أزمة بل نعيش مخاض نظام إقليمى جديد.. وفى مراحل المخاض تختلط الحقائق بالمؤقتات وتتجاور التفاهمات مع احتمالات انهيارها لأن السياسة لا تصنع موازين القوة وإنما تأتى فى النهاية كترجمة لها.
ومن هنا أميل إلى الاعتقاد بأن الشرق الأوسط لن يستقر على صورته الجديدة قبل نهاية هذا العقد وربما مع بدايات العقد المقبل.
فالتاريخ يعلمنا أن النظم الإقليمية والدولية تولد بعد أن تستقر موازين القوة التى تحكمها.
عندها فقط تتحول الهدنة إلى سلام ويتحول التفاوض إلى تسوية وتتحول الأوراق الموقعة إلى واقع سياسى قابل للحياة برواية واحدة من كل الأطراف.
أما الآن فما يبدو أمامنا ليس نهاية الصراع بل مرحلة جديدة من فصوله.. ولهذا فإن السؤال الحقيقى لم يعد هل انتهت الأزمة بين واشنطن وطهران؟ بل أى شرق أوسط سيخرج من رحم هذه المرحلة؟ لأن ما يجرى اليوم ليس الفصل الأخير من قصة قديمة وإنما الفصل الأول من توازنات جديدة لن تكتمل فى تقديرى قبل عام 2030.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



