ليست كل الدول التي تبني طرقًا تصبح دولا حديثة، وليست كل مدينة جديدة تصنع مستقبلا مختلفًا. فالحجر، مهما بلغت قيمته، لا يغير التاريخ وحده، وإنما الذي يغيره هو الفكرة التي تقف خلفه، والإرادة التي تمنحه الحياة، والحلم الذي يجعل ملايين البشر يؤمنون بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
هذا هو الفارق بين مشروع تنموي عابر، وحلم وطني كبير.
لقد امتلكت مصر، خلال السنوات الأخيرة، حلما واضحا. قد يختلف المصريون حول ترتيب الأولويات، وقد تتباين الرؤى بشأن السياسات وآليات التنفيذ، وهو أمر طبيعي في أي مجتمع حي، لكن ما يصعب الاختلاف عليه هو أن الدولة المصرية قررت أن تعيد تقديم نفسها إلى العالم بصورة مختلفة، دولة معاصرة، حديثة، تعرف أن مكانها في المستقبل لا يصنعه التاريخ وحده، بل تصنعه القدرة على اللحاق بإيقاع العالم.
كان الهدف أكبر من إنشاء طريق هنا أو مدينة هناك، كان الرهان الحقيقي هو تغيير الصورة الذهنية التي التصقت بمصر لعقود طويلة، صورة العشوائيات، والبنية المتهالكة، والازدحام، وتراجع الخدمات، لتحل محلها صورة أخرى لدولة تمتلك شبكة طرق حديثة، ومدنا ذكية، وعاصمة جديدة، وموانئ ومناطق لوجستية، ومشروعات للطاقة، ومنظومة رقمية أكثر احترافية، وإدارة تقوم على الحوكمة والتخطيط طويل المدى.
كانت الرسالة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، المصري يستحق جودة حياة أفضل، والدولة تستحق مكانة تليق بتاريخها وإمكاناتها.
واللافت أن الأحلام، عندما تصبح جزءا من الوعي الجمعي، لا تتوقف آثارها عند حدود الخرسانة والأسفلت، بل تمتد إلى الإنسان نفسه.
فالإنسان الذي يعيش داخل مشروع كبير، يبدأ في التفكير بطريقة مختلفة. يتغير سقف طموحه، ويزداد إيمانه بقدرته على الإنجاز، ويتراجع استسلامه لفكرة أن المستحيل قدر محتوم.
ولعل ما حدث مع المنتخب المصري يقدم نموذجا رمزيا بالغ الدلالة، فهناك فرق بين فريق يدخل المنافسات تحت شعار “التمثيل المشرف”، وآخر يدخلها وهو مؤمن بأنه قادر على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. الأول يبحث عن الإشادة، أما الثاني فيبحث عن البطولة.
هذه ليست مجرد عقلية رياضية، بل انعكاس لحالة مجتمع كامل بدأ يصدق أن المنافسة حق، وأن الطموح ليس رفاهية، وأن الوصول إلى القمة لا يتعارض مع الواقعية.
لقد صدق المصريون حلمهم، فبدأت ملامحه تظهر في تفاصيل كثيرة، في نظرة المواطن إلى بلده، وفي اعتزازه بما يتحقق على الأرض، وفي استعادة قدر من الثقة بالنفس افتقدته أجيال طويلة، حتى أصبح السؤال الذي يتردد على ألسنة كثيرين، داخل مصر وخارجها، أقرب إلى حالة من الدهشة المشروعة، «يا مصر.. بتعمليها إزاي؟!»
ولم يكن غريبا أن يتحول هذا السؤال إلى مقطع غنائي يردده الناس بعفوية، لأنه عبّر عن شعور يتجاوز الكلمات، فحين تنجح دولة في إدهاش شعبها قبل أن تدهش العالم، فإنها تكون قد قطعت نصف الطريق نحو المستقبل.
الحلم المصري لم يكن وعدًا بأن كل شيء أصبح مكتملا، فما زالت هناك تحديات اقتصادية وضغوط إقليمية وأعباء اجتماعية تحتاج إلى عمل متواصل، لكن قيمة الحلم أنه نقل مصر من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، ومن الاكتفاء بالبقاء إلى السعي للمنافسة.
الأمم العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، وإنما تصنع كل جيل حلمه الخاص. ومصر، وهي تدخل جمهوريتها الجديدة، لا تبحث فقط عن مكان على خريطة التنمية، بل عن مكان في وجدان العالم؛ دولة تعرف من تكون، وإلى أين تريد أن تصل، وتؤمن بأن المستحيل ليس وصفا للمصريين، وإنما مجرد كلمة تنتظر من يثبت خطأها.
وربما لهذا السبب، لم يعد الحلم المصري مجرد مشروع للدولة، بل أصبح مشروعا للمواطن أيضا.
لأن الأوطان لا تتقدم عندما تبني الجسور فقط، وإنما عندما تبني داخل أبنائها يقينا راسخا بأنهم قادرون على عبورها.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



