خمس سنوات على رحيل سمير غانم
«أسطورة الكوميديا» الذى حول العبث إلى أداء أيقونى
فى الذكرى الخامسة لوفاته، لم يغب اسم سمير غانم عن ذاكرة جمهوره، بعدما ارتبط اسمه بالبهجة والضحك لدى أجيال متعاقبة. فلا تزال أعماله ومواقفه وخفة ظله حاضرة بقوة، وما زالت ابتسامته قادرة على انتزاع البهجة من جمهوره رغم الغياب، ليؤكد أن بعض الفنانين لا ترحل ذكراهم، بل يظل حضورهم ممتدًا فى قلوب محبيهم من خلال أعمالهم التى تعيش عبر الزمن.
يعتبر الفنان الكبير سمير غانم النجم الأكثر قدرة على الاستمرارية. كما يعتبر الضلع الثالث فى ثلاثى أضواء المسرح الذى استطاع أن يخالف التوقعات بعد بدايته الغريبة وشكله الأغرب مع بدايات ظهوره.. الأصبع الطويل والأقل إضحاكا بالمقارنة مع جورج سيدهم والضيف أحمد ،والذى شكلت وفاته فى سن مبكرة حدثًا حزينًا وانطلاقة فى نفس الوقت لنجومية سمير التى صعدت بسرعة الصاروخ دون توقف وحتى رحيله.
مظهر صنع أيقونة بصرية
فمظهره المغاير مكنه من إظهار موهبته العبقرية للعالم، بنضارة مختلفة أنيقة وملفتة وباروكة مميزة وشنب ضخم نسبيًا تحول إلى أيقونة بصرية متكاملة وظاهرة للإضحاك لأكثر من 60 عامًا.
لم يقتصر مظهر سمير غانم على النظارة والشنب والباروكة المميزين بل امتد ليشمل ملابسه أيضًا. فقد كان له أسلوبه الخاص فى اختيار الملابس وهو أسلوب عكس شخصيته وروحه المرحة المتفردة. فقد اعتاد على ارتداء بدلات كانت تصنع خصيصًًا له. ورغم أناقتها لكنها كانت الموضة الخاصة بسمير غانم، لم تكن الموضة الرائجة، ولم تكن مثيرة للضحك بل كانت بصمة سمير غانم الخاصة التى ارتبطت به على مدار حياته حتى أصبح يمتلك هوية بصرية خاصة فى الأناقة لا تشبه أحدًا تمامًا مثل أدائه الكوميدى الدى ميزه عن غيره.
«الكوميدى» فى أعماله ولقاءاته التليفزيونية
ولم يرتبط سمير غانم فى أذهان الجمهور بالكوميديا من خلال أعماله الفنية فقط، بل امتدت حالة البهجة التى صنعها إلى حضوره الإنسانى أيضًا. فقد حملت جميع أعماله طابعًا كوميديًا خاصًا، فهو الفنان الدى أصر على الإضحاك واختار أن يكون مصدرًا لبهجة جمهوره.
والأكثر من ذلك أن لقاءاته التليفزيونية كانت مليئة بخفة الظل والضحكات والمواقف العفوية. كان يتعامل مع الأمور ببساطة شديدة وروح مرحة، ليصبح مصدرًا للبهجة حتى خارج إطار التمثيل، وكأن الضحك لم يكن مجرد دور يؤديه على الشاشة، بل جزءًا أصيلًا من شخصيته التى عشقها الجمهور.
بداياته
ولعل البدايات الحقيقية لانطلاقة سمير غانم جاءت من خلال ثلاثى أضواء المسرح الذى ضم إلى جانبه جورج سيدهم والضيف أحمد، حيث شكّل الثلاثى حالة فنية خاصة استطاعت أن تحقق حضورًا واسعًا لدى الجمهور. ومن خلال الحفلات والعروض المسرحية والأفلام والظهور التليفزيونى، بدأت ملامح نجاح سمير غانم تتشكل بصورة أكبر، وارتبط الجمهور بالأغنيات التى قدمها الثلاثى، والتى ما زال كثير منها حاضرًا فى الذاكرة حتى اليوم. ولم تكن تلك الأعمال تعتمد على الغناء فقط، بل كانت تحمل طابعًا كوميديًا وخفة ظل صنعت حالة خاصة جعلت الجمهور يرددها ويتذكرها حتى بعد مرور سنوات طويلة.
التميز بذكاء
كانت للأزياء دور كبير ومحوري فى أدواره خاصة على خشبة المسرح الذى كان ملكًا متوجًا عليه لعقود إلا وأنه بالعودة قليلا للثمانينيات والتسعينيات تحديدا سنجده يلعب دورا كبيرا فى تحويل أى فيلم متواضع الإمكانيات والظروف والمستوى إلى شىء مختلف وأيقونى، حتى إن بعض تلك الأفلام تحولت إلى رموز ولقطات تتداولها الأجيال عبر الوسائط المتعددة فى حين أن فرضية اختفاء سمير غانم منها يضعها دون شك فى طى النسيان وبشكل نهائى. فكان من النجوم الذين لم يصنعوا الضحكات فقط، بل تركوا أثرًا إنسانيًا وفنيًا يجعل الغياب مجرد غياب بالجسد، بينما يبقى الحضور ممتدًا فى القلوب.
كان سمير غانم ذكيًا للغاية، خاصة حين تراه يبدأ فى استخدام الإكسسوارات والألعاب على المسرح لجذب انتباه الجمهور طوال ساعات العرض بجانب الإفيهات المتواصلة التى لا تنقطع والتى ربما أخذ عليه بعضها لسخريته من البنية الجسدية لبعض الممثلين من أصحاب الظهور المميز معه فى مسرحياته التى لاقت نجاحًا منقطع النظير.
سمعت الكثير من اللقاءات عن مسرح العبث والحقيقة أنى لم أدركه فعلا سوى بعد إعادة مشاهدة مسرحيات سمير غانم.
أما استخدام الصوت والحركات الجسدية فى أدائه فحدث ولا حرج، شخصية فطوطة على سبيل المثال أكبر دليل على ذلك حيث استخدمه بمهارة شديدة لصنع ملامح شخصية طفولية وعجيبة خطفت قلوب الصغار والكبار، وحتى يومنا هذا.
نجح سمير غانم فى انتزاع الضحك من الصوت الغريب والملابس الواسعة مثقلا بقدرة عجائبية عن الاسترسال فى الإفيهات دون توقف.. أما سينمائيا فلقطته المميزة على المسرح فى فيلم «خلى بالك من زوزو» وهو يغنى بطريقة أوبرالية. ففى رأيى المتواضع لم تلق التقدير الكافى على الاطلاق.
شخصيات تحولت إلى علامات
ونجح سمير غانم فى تقديم شخصيات لم تتوقف عند حدود النجاح الفنى فقط، بل تحولت إلى علامات راسخة فى ذاكرة الجمهور، وكان «فطوطة» أبرزها. فلم تكن مجرد شخصية كوميدية قدمها على الشاشة، وإنما حالة متكاملة لها شكلها الخاص وطريقتها فى الحديث وأداؤها المميز، لتصبح شخصية عاشت لسنوات طويلة وترددها الأجيال. فهى شخصية مثلت للأطفال ما يشبه «ميكى ماوس» فى ديزنى.
كما ارتبطت شخصية «فطوطة» ارتباطًا وثيقًا بفوازير رمضان التى كانت تمثل جزءًا أساسيًا من طقوس الشهر الكريم لدى الجمهور المصرى، حيث ارتبط رمضان لسنوات طويلة بفكرة الفوازير ومتابعتها يوميًا. ومع «فطوطة» تحولت الفوازير إلى حالة ينتظرها المشاهدون بشغف، فلم يعد الجمهور يتابعها من أجل حل الفزورة فقط، بل أيضًا من أجل الشخصية نفسها وخفة ظل سمير غانم التى صنعت ارتباطًا خاصًا بينه وبين المشاهدين كبارًا وصغار.
ولم يكن «فطوطة» وحده من الشخصيات التى صنعت حضورًا خاصًا فى مشوار سمير غانم، فقد جاءت شخصية «ميزو» أيضًا كواحدة من الشخصيات التى ظلت عالقة فى أذهان الجمهور حتى اليوم. فرغم مرور سنوات طويلة على تقديم مسلسل «ميزو»، ما زال كثيرون يحرصون على مشاهدته كلما أُعيد عرضه، ويستعيدون معه الضحكات نفسها وكأنهم يشاهدونه للمرة الأولى. فقد امتلك سمير غانم قدرة خاصة على تحويل الشخصية التى يقدمها إلى حالة يعيشها الجمهور ويتذكرها بالاسم، فلم تكن شخصياته مجرد أدوار داخل أحداث لها بداية ونهاية، بل شخصيات تحمل روحًا خاصة وتُقدم فى إطار كوميدى قادر على صناعة البهجة وانتزاع الضحكات من المشاهدين.
ولم تتراجع حالة البهجة المرتبطة بسمير غانم مع مرور السنوات، فحتى فى المراحل الأخيرة من مشواره الفنى، وخلال مشاركاته مع ابنتيه فى أعمال تليفزيونية وسينمائية، ظل حضوره يحمل الروح نفسها التى اعتاد عليها الجمهور. فرغم أن ظهوره كان أحيانًا فى مشاهد محدودة، فإن الجمهور كان يترقب تلك اللحظات، إذ كانت مشاهده تحمل جرعة خاصة من الضحك والعفوية وخفة الظل، وكأن حضوره وحده كان كافيًا لصناعة مشهد يبقى فى ذاكرة المشاهدين.
وكان خبر وفاة سمير غانم من أكثر الأخبار التى أحزنت جمهوره ومحبيه، خاصة أنه جاء خلال فترة انتشار جائحة كورونا. فقد أصيب الفنان الراحل بفيروس كورونا، وظل الجمهور يتابع يومًا بعد يوم تطورات حالته الصحية، وسط حالة واسعة من القلق والدعوات التى لم تتوقف من جمهوره ومحبيه وزملائه، الذين تمنوا تجاوزه الأزمة وعودته مجددًا إلى حياته الطبيعية، إلا أن خبر رحيله شكّل صدمة كبيرة لدى كثيرين ممن ارتبطوا به وبأعماله على مدار سنوات طويلة.
ورغم مرور خمس سنوات على رحيله، ما زال سمير غانم حاضرًا فى ذاكرة جمهوره بأعماله وشخصياته التى صنعت الضحك والبهجة لسنوات طويلة. فهناك فنانون يقدمون أعمالًا تنتهى بانتهاء عرضها، وهناك من تتحول أعمالهم إلى جزء من ذاكرة الناس وتفاصيل حياتهم اليومية، وكان سمير غانم واحدًا.
نقلًا عن مجلة روز اليوسف





