الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

رحلة تفاعلية بين الفن والتكنولوجيا

لوحات «فان جوخ» تنبض بالحياة فى القاهرة

بوابة روز اليوسف

فتحت المعارض التفاعلية أبواب الخيال على مصراعيها لتمنح الزائر مغامرة حسية فريدة ومتكاملة يتنقل خلالها بين المقاطع المصورة وعروض الإضاءة المبهرة مرورًا بغرف المعايشة ومحاكاة الواقع ليجد نفسه جزءًا من الحكاية لا متفرجًا عليها. هكذا استطاع معرض فان جوخ التفاعلى فى القاهرة الجديدة أن يجذب الآلاف من الشباب بعد أن حقق معادلة المزج بين الحداثة والذاكرة وأعاد تعريف الفن الصامت بعيدًا عن رتابة المشاهدة والمرور السريع لتصبح أقرب إلى الدهشة والخيال وتتحول مشاهدة اللوحات إلى تجربة حية ورحلة داخل عالم الإبداع.


البداية كانت فى مدينة ديترويت الأمريكية عام 2021 ثم انتقلت المعارض التفاعلية إلى العديد من المدن فى أوروبا وآسيا بعد أن شهدت إقبالٍا غير متوقع من الزوار وخاصًة الأجيال الجديدة. وتنضم القاهرة هذا العام إلى قائمة المدن التى تستضيف المعرض الذى واصل خلال السنوات الماضية التنقل بين عواصم ومراكز ثقافية عالمية مقدمًا تجربة فنية غامرة جذبت أكثر من 5 ملايين زائر حول العالم.
 


 ما وراء فان جوخ
 


يعد معرض Beyond Van Gogh» بيوند فان جوخ» التفاعلى فى القاهرة تجربة فنية غير مسبوقة فى مصر وهى الأولى فى الشرق الاوسط إذ يفتح أبواب الفن العالمى على فضاءات من الضوء والحركة والخيال داخل District 5 Mall منذ الخامس من إبريل الماضى وحتى العاشر من يونيو 2026 ويقدم المعرض للزوار أكثر من 300 عمل من روائع الفنان العالمى فان جوخ عبر تقنيات الإسقاط الضوئى والموسيقى التصويرية التى تحول اللوحات إلى مشهد حى يحيط بالزائر بزاوية 360 درجة على الجدران والأرضيات ليصبح المشاهد جزءًا من العمل الفنى نفسه.
 


تبدأ الجولة التى تستغرق ما بين 60 إلى 70 دقيقة بمساحة تعليمية للتعرف على حياة فان جوخ وسيرته الفنية ثم ينتقل الزائر إلى العرض الرئيسى الذى ترافقه مقطوعات موسيقية تضيف بعدًا نفسيًا وجماليًا للتجربة قبل أن يختتم رحلته بتجربة الواقع الافتراضى التى تتيح الغوص بشكل شخصى فى عالم فان جوخ. كما يضم المعرض أيضا متجرًا للهدايا يمنح فرصة اقتناء تذكارات مرتبطة بأعمال الفنان الهولندى.
 


ومن أبرز اللوحات التى يتم عرضها ليلة النجوم وزهور عباد الشمس وزهر اللوز وغيرها ليجد الزوار أنفسهم منجذبين حرفيًا إلى عالم فان جوخ الساحر إذ يتجولون بجانب الفنان الاستثنائى وصولًا إلى مقهى التراس المسائى ويقفون تحت سماء ليلة النجوم المتلألئة وينغمسون فى اللون الأصفر الزاهى للوحة عباد الشمس.
 


 وبينما تخلق العروض الضوئية البانورامية المتقنة عوالم آسرة من الألوان المفعمة بالمشاعر تتيح للزوار فرصة اختبار أعمال فان جوخ بطريقة لم يسبق لها مثيل حيث يتحركون بحرية فى أرجاء المكان الواسع يستمعون إلى أفكار الفنان الممزق ويشعرون بشكوكه وشغفه العميق بتجسيد الحياة بالألوان. ويعتبر المعرض وجهة مثالية للعائلات والأصدقاء والزيارات الفردية.
 


فينسنت بين الجنون والدهشة 
 


بالتزامن مع معرض فان جوخ القاهرة، يقام، على موقع RAW الشهير فى قلب العاصمة الألمانية برلين، معرض «فينسنت: بين الجنون والدهشة» فى تجربة فنية غامرة. يستعيد المعرض السنوات الأخيرة من حياة فان جوخ حيث تعرض أعماله الخالدة بزاوية 360 درجة لتفتح نافذة جديدة على مرحلته الإبداعية الأخيرة وينقل الزوار إلى مدن «آرل» و«سان ريمى دو بروفانس» و«أوفير سور واز» الفرنسية التى شهدت ولادة أعظم أعماله فى تاريخ الفن والتى قدمها فى الفترة ما بين عامى 1888 و1890. 
 


ويركز المعرض على إبراز العلاقة العميقة بين فان جوخ وشقيقه ثيو الصديق والراعى الذى شكل العنصر الأكثر ثباتًا فى حياته، إذ توثق أكثر من مئة رسالة متبادلة بينهما زاخرة بالأفكار والشكوك والأمل لتكشف عن عالم داخلى مضطرب ومضيء فى آن واحد وتظهر كيف تحولت مخاوفه وتطلعاته إلى ضربات فرشاة وألوان نابضة بالحياة.
 


 وتعرض أعماله على أسطح ضخمة فى المعرض يصل عرضها إلى عشرة أمتار وارتفاعها إلى أكثر من خمسة أمتار فى قاعة تفاعلية تعيد إحياء ألوانه المميزة عبر أحدث تقنيات العرض فيما تصاحب هذه المشاهد اقتباسات أصلية من رسائله لتقريب الزوار من روحه. وتكتمل التجربة بموسيقى تصويرية مختارة بعناية تضيف بعدًا سمعيًا يضاعف من قوة المشهد البصري. يمنح هذا المزج بين الفن والتاريخ والتقنية فرصة للزوار للغوص داخل عالم فان جوخ الفكرى والوجدانى ليعيدوا اكتشاف أعماله بكل حواسهم فى تجربة متعددة الوسائط لا تسعد عشاقه فحسب بل تمنح كل من يبحث عن لحظة هروب من ضغوط الحياة فرصة حقيقية للتفاعل مع الفن والشعور به بعمق حتى لو لم يكن يومًا من متذوقيه.
 


لقاء مع فان جوخ
 


شهد العالم خلال الأعوام الأخيرة طفرة فى تنظيم معارض واقعية وافتراضية لأعمال الفنان الهولندى فنسنت فان جوخ حيث تنوعت هذه الفعاليات الربحية من حيث أماكنها ومنظميها ومواقعها إلا أن معظمها تركز فى أمريكا الشمالية خلال عامى 2021 و2022. وغالبًا ما كانت المعارض تقام فى صالات عرض ضخمة تحول أعمال فان جوخ إلى فضاءات بصرية نابضة بالحياة عبر عرض الصور أو مقاطع الفيديو على الجدران والأسقف والأرضيات مصحوبة أحيانًا برسوم متحركة أو تعليقات صوتية أو موسيقى أو حتى روائح عطرية لتعزيز التجربة الحسية.
 


 ومن أبرز هذه الفعاليات معرض «لقاء مع فان جوخ» فى لندن الذى لاقى إعجابًا كبيرًا بين جمهور الأطفال كونه أول بيت مرح تفاعلى مخصص للرسام حيث تمكن الزوار من الجلوس على طاولة لوحة آكلى البطاطس والتقاط صور سيلفى على سرير فان جوخ من غرفة نومه الشهيرة فى مدينة آرل وفى مدن أخرى مثل أمستردام وبرشلونة وسيول.
 


كما ابتكرت معارض تفاعلية أتاحت للزوار دراسة تقنيات الفنان ومواده وأدواته بل حتى رسم صور شخصية بأسلوبه مع مرافقة دليل صوتى يحاكى صوت فان جوخ نفسه. فيما تميز معرض لييج بمناطق تفاعلية تسمح للزوار برسم أعمالهم الخاصة وعرضها على الجدران.
 


 وتجمع هذه المعارض سمات مشتركة أبرزها عرض اللوحات الشهيرة على الأرضيات والجدران لتبدو وكأنها تتحرك إضافة إلى مكونات الواقع الافتراضى التى تمنح الزائر رحلة عبر يوم الفنان ومؤثرات صوتية وموسيقى لتضيف بعدًا عاطفيًا قويًا. وقد اكتسبت هذه الفعاليات زخمًا عالميًا بعد أن صور مسلسل «إميلى فى باريس» عام 2020 تجربة مستوحاة من فان جوخ فى باريس مما ساهم فى تعزيز الاهتمام الجماهيرى بهذه المعارض.
 


انتقادات المعرض
 


 تعرضت المعارض التفاعلية لأعمال فينسنت فان جوخ لسلسلة من الانتقادات من جانب الأكاديميين والنقاد الفنيين حيث رأى بعضهم أنها تركز على عنصر الجذب البصرى والتجربة الترفيهية أكثر من تركيزها على القيمة الفنية الأصيلة.
 


جسر بين الأجيال 
 


وعلى الجانب الآخر، تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعى من مختلف دول العالم  مع المعارض مؤكدين أن هذه التجارب فرصة حقيقية لانتشار الفن بين جمهور واسع خاصة بين الجيل الجديد الذى تربى على التكنولوجيا ويبحث عن طرق مختلفة للتفاعل مع الإبداع هذا الجيل لا يكتفى بالمشاهدة الساكنة للوحات فى المعارض بل يحتاج إلى معايشة التجربة الفنية بأسلوبه الخاص.
 


 ورغم ما يثار حولها من انتقادات بشأن تجاوزها حدود الإبداع الأصلى، فإن المعارض التفاعلية نجحت فى إعادة تعريف العلاقة بين الفن والجمهور وفتحت الباب أمام من لا يمتلك خلفية فنية عميقة ليقترب من عالم فان جوخ أو أى فنان آخر ويشعر بشغفه وألوانه فتحولت إلى جسر يربط بين الفن الكلاسيكى وروح العصر الرقمى إذ يعاد تقديم الفن بأسلوب يليق بوعى وتطلعات الأجيال الجديدة.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط