الحماية للقوى الناعمة المصرية
لم تعد قوة الدول تقاس فقط بصلابة اقتصادها أو بترسانتها العسكرية؛ بل تقاس أولا بمدى تماسك وعى مواطنيها وقدرة قواها الناعمة على التأثير.
حين نتأمل الهيكل التنظيمى للحكومة، نجد آلية بالغة الأهمية تدعى «المجموعة الاقتصادية»، يجتمع وزراؤها بانتظام، ينسقون الخطوات، ويتحركون ككتلة واحدة لمواجهة التحديات الاقتصادية وتحفيز الاستثمار.
هذا التنسيق المؤسسى ممتاز ومطلوب، لكنه يطرح فى الوقت ذاته سؤالا جوهريا.. لماذا لا يملك عقل المواطن المصرى مجموعة وزارية مماثلة تنسق شئونه وتحميه؟
اليوم.. نحن فى حاجة ماسة وملحة إلى تدشين «المجموعة الوزارية للوعى العام»؛ تكتل وزارى تنفيذى يضم وزارات الثقافة، التربية والتعليم، التعليم العالى، الشباب والرياضة، والإعلام.
مجموعة وزارية لا تعمل بنظام الجزر المنعزلة، بل تتحرك وفق استراتيجية موحدة لبناء الإنسان المصرى وفق التكليف الرئاسى، وتفكيك الجهل، واستعادة بريق القوة الناعمة المصرية فى الداخل والخارج، وحمايتها.
أولى المعارك الحتمية لهذه المجموعة هى مواجهة تجريف الوعى وتمدد الخرافة. لقد تسللت إلى مجتمعنا أنماط غريبة من التفكير، وفتحت منصات عديدة أبوابها لخطاب يغيب العقل والمنطق العلمي. مواجهة هذا الخطر ليست مسئولية وزارة الثقافة بمفردها، ولا يمكن لوزارة التعليم أن تواجهه وحدها.
المجموعة الوزارية المطلوبة هدفها تحويل المنهج العلمى العقلانى إلى سياسة عامة متكاملة؛ تبدأ من المدرسة الابتدائية، وتنعكس فى أنشطة مراكز الشباب، وتترجم فى برامج الإعلام والدراما. نحتاج إلى بناء الوعى النقدى لدى المواطن، لأن المجتمع الذى تستسلم عقول أبنائه للخرافة والدجل، لا يمكنه أبدا أن يبنى اقتصادا أو يحقق تنمية مستدامة.
لا يمكن بناء وعى حقيقى فى بيئة تخشى الأفكار، ولا يمكن لقوانا الناعمة أن تسترد ريادتها طالما ظلت يد المبدع مرتعشة. لذلك، يجب أن تكون هذه المجموعة الوزارية هى المظلة السياسية والتنفيذية الحامية لـ«حرية الفن والإبداع».
الفن ليس أداة للترفيه أو سد الفراغ، بل هو مرآة كاشفة تساعد المجتمع على رؤية عيوبه ومواجهتها. حماية المبدعين، وتسهيل إجراءات التصوير والإنتاج، وتشجيع الأفكار الجريئة، يجب أن تتحول جميعها من مطالبات فى مقالات الرأى إلى سياسة دولة واضحة تتبناها هذه المجموعة وتنفذها على أرض الواقع.
نؤمن، بيقين يستند إلى التاريخ والواقع، أن مصر تمتلك أضخم وأعرق مخزون ثقافى وإبداعى فى المنطقة كلها. نحن من صنع وجدان المنطقة بسينماها ومسرحها وأدبها وفكرها. لكن الأزمة الحقيقية التى نعيشها اليوم ليست فى شح المبدعين أو غياب المادة الخام، بل هى أزمة إدارة وتنمية ثقافية.
هذا الكنز يدار حاليا بعقلية الموظف والبيروقراطية التقليدية التى تقتل المبادرة. المخزون الإبداعى المصرى يحتاج إدارة احترافية حديثة تحوله إلى طاقة إنتاجية وقوة حيوية مؤثرة.
التنمية الثقافية الحقيقية تعنى ألا تظل الأنشطة والفنون حكرا على نخب العاصمة، بل تنطلق كشرايين حياة فى القرى والنجوع، وتعنى أيضا إعادة تسويق هذا المنتج عالميا كأداة دبلوماسية واقتصادية بالغة التأثير.
استعادة الريادة المصرية فى محيطنا الإقليمى والدولى ليست رفاهية.. بل قضية أمن قومى من الطراز الأول. عندما يغيب الكتاب والفيلم والمسلسل المصرى، تتقدم فورا ثقافات أخرى لتملأ الفراغ وتوجه العقول وفق أجنداتها. مجموعة الوعى هى الضمانة الوحيدة لرفع جودة منتجنا الإبداعى وفتح الأسواق له، ليعود الفن سفير مصر الأقوى فى الخارج.
قطعا.. نحن فى أشد الحاجة الآن إلى «مجموعة وزارية للوعي» لتكون العقل المفكر للدولة المصرية، ولنؤكد عمليا أن مصر التى علّمت العالم فجر الضمير، قادرة دائما على صياغة وعى جديد يحمى حاضرها ويليق بمستقبلها.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



