محطة الحسم الأخيرة..
كيف ينظر الأزهر لقانون الأحوال الشخصية الجديد؟
فى الوقت الذى يترقب فيه الشارع المصرى مصير مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، تتجه الأنظار إلى الأزهر الشريف؛ باعتباره المرجعية الدينية الأبرز فى القضايا المرتبطة بأحكام الشريعة الإسلامية، ليبقى موقفه أحد أهم المحطات المؤثرة فى مسار القانون قبل خروجه إلى النور.
ورغم أن الأزهر الشريف ليس جهة تشريعية، فإن حضوره فى مناقشة قوانين الأحوال الشخصية يستند إلى مكانته الدستورية والعلمية؛ وذلك بوصفه المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، وتنص المادة السابعة من الدستور على أن الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على جميع شئونه، ويعد المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، وهو ما يمنحه دورًا مهمًا فى إبداء الرأى الشرعى فى القوانين المرتبطة بأحكام الأسرة.
ويرى مراقبون أن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد يواجه اختبارًا دقيقًا؛ يتمثل فى تحقيق التوازن بين الاستجابة للمتغيرات المجتمعية من جهة، والحفاظ على الثوابت الشرعية من جهة أخرى، وهو ما يجعل من رأى الأزهر الشريف عنصرًا محوريًا فى تقييم المواد المقترحة؛ ومدى توافقها مع الأحكام الشرعية الحاكمة للعلاقات الأسرية.
الأزهر.. مكانة وقامة
ورغم أن رأى الأزهر فى مشروعات القوانين ليس ملزمًا من الناحية الدستورية، فإن مكانته العلمية والدينية تمنح موقفه وزنًا كبيرًا لدى الرأى العام وصناع القرار على السواء، لا سيما فى القوانين المتصلة بأحكام الأسرة والزواج والطلاق والميراث وغيرها من القضايا ذات المرجعية الشرعية.
وترى النائبة أميرة بهاء الدين أبو شقة؛ أن الجدل الدائر حول مشروع قانون الأحوال الشخصية؛ كشف عن خلط واضح بين مسألة أخذ رأى الأزهر الشريف ومدى الالتزام به، مشددة على أن الدستور المصرى حسم مكانة الأزهر والشريعة الإسلامية بشكل واضح وصريح.
وأوضحت أن المادة الثانية من الدستور تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، فيما تنص المادة السابعة على أن الأزهر الشريف هو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، مؤكدة أن الأزهر «ليس ديكورًا شرعيًّا» يمكن تجاوزه فى التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسلمين.
وأضافت: إن مرجعية الأزهر لا تعنى احتكار التشريع، باعتبار أن إصدار القوانين حق أصيل للبرلمان، لكن داخل الإطار الدستورى الذى يجعل الشريعة مرجعية حاكمة، ويمنح الأزهر مكانته كمرجع علمى أساسى فى هذا الشأن.
داعمًا للحياة الزوجية
من جانبة أبدى الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، رفضه لأى تعديلات جديدة لقانون الأحوال الشخصية تتضمن تعقيدات تؤثر سلبًا على استقرار الأسرة أو تقلل من إقبال الشباب على الزواج، مؤكدًا أن القانون يجب أن يُراعِى البعد الإنسانى وأن يكون داعمًا للحياة الزوجية لا منفّرًا منها.
وشدد وزير الأوقاف السابق؛ على ضرورة أن تُبنى مناقشات القانون على مبدأ العدالة المتوازنة بين جميع الأطراف، مع مراعاة حقوق وواجبات كل من الرجل والمرأة، محذرًا من الاعتماد على حالات فردية أو استثنائية فى صياغة تشريع يمس ملايين الأسر المصرية.
حماية كيان الأسرة
ويؤكد الدكتور عطا السنباطى، عميد كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، أن حماية كيان الأسرة لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورة حياتية وواجبًا وطنيًا فى ظل التحديات المتسارعة التى يشهدها العالم المعاصر.
وأوصى بإلزامية اللجوء إلى وسائل بديلة لتسوية النزاعات الأسرية، مثل مكاتب الوساطة والإصلاح الأسرى، مع تأهيل كوادرها شرعيًا وقانونيًا ونفسيًا، ومنح قراراتها قوة قانونية ملزمة، بما يسهم فى تقليل معدلات الطلاق وتعزيز ثقافة التسامح.
وشدد على ضرورة تطوير آليات تنفيذ أحكام النفقة والرؤية، مع النص على مراجعة دورية لقيم النفقة فى ضوء التغيرات الاقتصادية، بما يحقق العدالة ويحفظ حقوق الأطراف.
المواد الخلافية فى القانون الجديد.. أين يقف الأزهر؟
ورغم عدم صدور موقف رسمى نهائى من الأزهر الشريف بشأن مشروع القانون، فإن عددًا من الملفات المطروحة تبدو مرشحة لإثارة نقاشات موسعة داخل هيئة كبار العلماء واللجان المختصة، نظرًا لارتباطها المباشر بأحكام شرعية مستقرة، وبما تشهده الساحة المجتمعية من مطالبات بإعادة تنظيمها.
الرؤية والاستضافة
وتأتى قضية الرؤية والاستضافة فى مقدمة الملفات الأكثر جدلًا، حيث تتزايد المطالب بإيجاد آليات جديدة تتيح للأب غير الحاضن مشاركة أكبر فى حياة أبنائه، بما يحقق مصلحتهم النفسية والتربوية.
وفى المقابل، يحرص الأزهر على أن تتم أى تعديلات فى هذا الملف بما يحفظ استقرار الطفل أولًا، ويمنع تحويله إلى أداة للصراع بين الأبوين.
الولاية التعليمية
من القضايا التى شهدت خلافات متكررة أمام المحاكم خلال السنوات الماضية، خاصة فى حالات النزاع بين الأب والأم حول نقل الأبناء من مدرسة إلى أخرى أو تحديد نوع التعليم المناسب لهم.
ويُنتظر أن يركز الأزهر عند مناقشة هذه القضية على تحقيق مصلحة الطفل باعتبارها المعيار الحاكم، مع الحفاظ على التوازن بين حقوق الوالدين ومسئولياتهما.
توثيق الطلاق
ويظل ملف الطلاق من أكثر القضايا حساسية فى أى مشروع للأحوال الشخصية، خاصة مع الجدل الذى أثير خلال السنوات الأخيرة حول العلاقة بين وقوع الطلاق شرعًا وبين توثيقه رسميًا.
ويُتوقع أن يحظى هذا الملف بنقاش فقهى موسع داخل الأزهر، انطلاقًا من الحرص على الحفاظ على استقرار الأسرة ومنع التلاعب بالحقوق، مع الالتزام بالأحكام الشرعية المعتبرة.
«الزواج تحت التجربة»
ستواجه اعتراضا بالأزهر وهى سبق أن واجهت رفضًا واسعًا من المؤسسات الدينية؛ باعتبار أن عقد الزواج فى الشريعة الإسلامية عقد مستقر قائم على الدوام والاستمرار؛ وليس عقدًا مؤقتًا محدد المدة.
ولذلك يتوقع مراقبون أن يتعامل الأزهر بحسم مع أى نصوص قد تُفهم باعتبارها إقرارًا لهذا النوع من التعاقدات.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



