أسامة بندكس.. فنان ينحت التاريخ بيديه في قلب القاهرة القديمة
بين أزقة وحواري شارع المعز، حيث تتنفس الحجارة عبق التاريخ وتروي الجدران حكايات قرون مضت، تختبئ ورشة صغيرة لا تلفت الأنظار للوهلة الأولى، لكنها تحتضن واحدًا من أبرز الحرفيين الذين كرّسوا حياتهم لإحياء الفن الفرعوني الأصيل.
هناك، يقف أسامة الشهير بـ"أسامة بندكس"، منهمكًا في عمله بين الأحجار وأدوات النحت، يصنع من الكتل الصامتة تحفًا فنية تنبض بالحياة، وكأنها خرجت للتو من بين جدران المعابد المصرية القديمة.
لم يكن الوصول إلى محترف حقيقي لهذه المهنة المهمة أمرًا سهلاً، فبعد رحلة طويلة من البحث بين الورش والأسواق، لم نجد سوى أسامة، الذي استطاع أن يحافظ على أصالة الحرفة وسط عالم باتت تسيطر عليه المنتجات السريعة والتقليد التجاري. فكل قطعة تخرج من بين يديه تحمل بصمة خاصة، وتُصنع بعناية وحب وتفاصيل دقيقة تجعلها مختلفة عن غيرها.
قبل نحو 18 عامًا، بدأت رحلة أسامة مع النحت. كان مجرد شاب يراقب أحد الحرفيين أثناء عمله، فاستوقفه سحر المهنة ودقة تفاصيلها. لم يكتفِ بالمشاهدة، بل قرر أن يتعلم ويخوض التجربة بنفسه. ومع مرور السنوات، تحول التلميذ إلى فنان متفرد، حتى أصبح يتفوق على كثير من أبناء المهنة الذين يكتفون بتشكيل الحجر وتلوينه، بينما يذهب هو إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى روح القطعة نفسها.
يقول أسامة وهو يواصل العمل على إحدى القطع الفرعونية:
“لا أعتمد على رسومات جاهزة أو نماذج مسبقة، فأنا أصمم القطعة أولًا في عقلي، ثم أبدأ في تنفيذها. الموهبة التي منحني الله إياها تساعدني على رؤية الشكل النهائي قبل أن أبدأ النحت، لذلك تأتي أعمالي مختلفة وتحمل تفاصيل يصعب تكرارها”.
هذه الرؤية الخاصة جعلت من أسامة اسمًا معروفًا بين عشاق التحف والمنتجات التراثية، حيث تتحول الأحجار بين يديه إلى تماثيل فرعونية ولوحات وزخارف فنية تبهر السائحين والزائرين، وتجد طريقها إلى الأسواق والمعارض بأسعار قد تصل إلى آلاف الجنيهات.
ولا يرى أسامة في ذلك مبالغة، بل تقديرًا طبيعيًا لقيمة العمل اليدوي الحقيقي. فخلف كل قطعة ساعات طويلة من الجهد والتركيز، وأحيانًا أسابيع كاملة من العمل المتواصل.
ويضيف: "الناس ترى المنتج النهائي فقط، لكنها لا ترى حجم المجهود المبذول. العمل في هذه المهنة يحمل قدرًا من المخاطرة، خاصة أثناء تقطيع الأحجار باستخدام ماكينات القطع ذات الشفرات الحادة، فأي خطأ بسيط قد يؤدي إلى إصابة خطيرة. كما أن بعض القطع تستغرق شهرًا أو أكثر حتى تخرج بالشكل الذي أرضى عنه".
ورغم مشقة المهنة وتراجع اهتمام كثير من الشباب بالحرف اليدوية، لا يزال أسامة متمسكًا بشغفه، مؤمنًا بأن الحفاظ على التراث لا يكون بالكلمات فقط، بل باستمرار الأيدي التي تصنعه وتحافظ عليه.
في ورشته المتواضعة بشارع المعز، لا ينحت أسامة الأحجار فحسب، بل يعيد تشكيل صفحات من التاريخ المصري العريق، قطعة بعد أخرى، ليؤكد أن الحرف اليدوية الأصيلة ما زالت قادرة على الحياة، طالما وجدت من يؤمن بها ويمنحها من روحه قبل يديه.



