الخميس 02 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ما يجرى فى لبنان لم يسبق له مثيل من قبل ولا من بعد. لبنان أصبح ساحة حرب بلا أى مبرر، حيث تم تهجير مليون وثلاثمائة ألف شخص قسرًا هربًا من الموت الذى تجلبه إسرائيل بالأسلحة الأمريكية المتقدمة. وسط هذه الأحداث المميتة، تدخلت إيران بضرب إسرائيل بالصواريخ الباليستية، وكالعادة ادعت إسرائيل أن هذه الصواريخ لم تُحدث أى أثر داخل أراضيها، رغم صافرات الإنذار التى انطلقت فى كل أنحاء إسرائيل، مما دفع الإسرائيليين إلى الملاجئ. وتقول إيران إنها استهدفت القواعد العسكرية الإسرائيلية التى تنطلق منها الطائرات التى تنشر الموت فى جنوب لبنان، لترد إسرائيل بضرب بعض المواقع العسكرية الإيرانية فى العاصمة طهران ومدن أخرى، رغم أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب طلب من نتنياهو عدم الرد على الصواريخ الإيرانية حفاظًا على مفاوضات السلام بين واشنطن وطهران.
 


وكما كشفت التصريحات الإسرائيلية والأمريكية، فإن نتنياهو أقنع ترامب بضرورة الرد حتى لا تُظهر إيران إسرائيل بمظهر الضعف. والمفاجأة أن ترامب أصبح أداة التهدئة بين تل أبيب وطهران، واستطاع أن يقنع الطرفين بوقف تبادل الصواريخ. والغريب أن الطرفين وافقا على ما طلبه ترامب حتى لا تتوقف المفاوضات الأمريكية – الإيرانية التى أعلن ترامب أنها ستنتهى باتفاق شامل خلال الأيام القادمة. فى هذه الأجواء يمكن وصف المفاوضات الأمريكية – الإيرانية بأنها المخاض الأخير الذى سيُعلن عن صفقة كبيرة بين أمريكا وإيران، ومن هنا رفع الجميع – إسرائيل وأمريكا وإيران – سقف مطالبهم ويسعون لتحصيل أكبر قدر من المكاسب لأوطانهم.
 


وقد أعلن ترامب لشبكة «إن بى سى نيوز» أن واشنطن وطهران قريبتان جدًا من توقيع اتفاق، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة لن ترفع التجميد عن الأصول الإيرانية أو العقوبات مسبقًا ضمن أى اتفاق، مؤكدًا أنه يضغط حتى تتخلى طهران عن طموحاتها النووية. فى المقابل، ترى إيران أن هناك عدة عوائق أمام المفاوضات، منها عدم ثقتها بقدرة ترامب على إبرام أى اتفاق والمحافظة عليه، وخشيتها من تراجع واشنطن عن أى اتفاق يتم التوصل إليه. كما تتخوف إيران من توسع المطالب الأمريكية لتشمل البرنامج النووى ثم ملف الصواريخ الباليستية والسياسات الإقليمية. إضافة إلى ذلك، ترى إيران غياب قنوات اتصال مؤثرة عبر وسطاء إقليميين، وتسعى للحصول على تفاصيل دقيقة فى كل بند من بنود الاتفاق، مع التزامات واضحة تشمل تحديد العقوبات التى سيتم رفعها، والجدول الزمنى للإفراج عن الأموال المجمدة، وآليات التنفيذ والضمانات التى تحول دون تكرار التراجع الأمريكى كما حدث مع الاتفاق الذى أبرمه الرئيس الأسبق باراك أوباما.
 


وبصراحة، لم يعد العالم – سواء المسئولين أو السياسيين أو المتابعين– يفهم شيئًا مما يجرى من أحداث وتصريحات متناقضة يتفوه بها ترامب ليل نهار، إذ يقول الشيء وعكسه، ويؤكد الخبر وينفيه فى نفس الجملة. والملاحظ أنه رغم إعلان إيران وإسرائيل وقف الهجمات المتبادلة، إلا أن التهدئة لم تنعكس على جنوب لبنان، حيث واصلت إسرائيل عدوانها وقصفها المدفعى على عدة مناطق، وآخرها مدينة صور. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 7 وإصابة 8 فى بلدة رفطا بساحة النبطية.
 


الأكثر جرأة وقذارة هو قيام جنود الاحتلال الإسرائيلى بالاستيلاء على أماكن تاريخية ورفع علم إسرائيل عليها، بما فى ذلك مواقع تراث عالمى مدرجة على قائمة اليونسكو. والأخطر ما قاله إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومى الإسرائيلى، لصحيفة «معاريف» العبرية خلال مناقشة الكابينيت، الاثنين الماضى، حين صرّح: «يجب التفكير خارج الصندوق فيما يتعلق بالحرب، عبر احتلال الأرض وقتل أعداد كبيرة من الفلسطينيين واللبنانيين، ويجب أن نقتل نساءهم وفتياتهم ونأخذهم إلى السجن، فهذا أكثر ما يؤلمهم».
 


على خلفية الأحداث والتصريحات وتهديدات بن غفير، عاد ترامب ليقول عن نتنياهو إنه إذا طلب منه أن يفعل شيئًا فهو يفعله. وفى تصريح آخر قال ترامب إنه أبلغ نتنياهو بأن إسرائيل قد تجد نفسها وحيدة فى المواجهة إذا عادت الحرب ضد إيران (نقلًا عن موقع «أكسيوس»). وفيما كانت إسرائيل تقوم بقصف على ضاحية الجنوب، قال الرئيس الأمريكى إنه يرغب فى أن تقوم إسرائيل بـ«هجوم دقيق» على حزب الله، مع إمكانية مشاركة واشنطن فى الدعم أو حتى إسناد هذه المهمة لسوريا.
 


وهنا تكمن الخطورة الكبرى فى الزج بسوريا واستخدامها لضرب حزب الله، حيث جاء تعبير ترامب «هجوم دقيق» كما يرى الخبراء والمحللون ليؤكد ويُنبه إلى إدخال سوريا فى الحرب الدائرة فى لبنان، وهو ما يكشف حجم التحولات التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والرهانات الأمريكية والإسرائيلية على إعادة صياغة أدوار اللاعبين الإقليميين.
 


ويُذكر أن الرئيس أحمد الشرع، الذى قال عنه ترامب إنه هو من أجلسه على كرسى الحكم فى سوريا، أصبح جزءًا من هذه اللاعبين. ففى وقت سابق استغلت كل من أمريكا وإسرائيل الخلافات المذهبية بين الشيعة والسنة لتحريض السنة السوريين ضد حزب الله. ومن خلال هذه الخلافات، تحاول واشنطن لتوريط الرئيس السورى للتدخل فى لبنان ضد حزب الله، مع إمكانية أن تتحول دمشق إلى حليف استراتيجى لأمريكا وإسرائيل ايضا، ليساهم فى الضغط على الحزب. هذا ما يُعرف بـ«خطة الضغط المتدرج» أو «الحرب بالوكالة».
 


لكن لبنان، بتاريخه وتراثه وما تعرض له فى السنوات الماضية، لا يمكن أن ينهزم أو يتخلى عن وحدته الوطنية. فكم من مرة ضُرب لبنان، إلا أنه بإرادة أبنائه وتضحياتهم يقف وينهض من جديد متحديًا كل الأزمات وكل الأطماع. ويبقى لبنان إلى أبد الدهر وحدة واحدة فى مواجهة الكلاب المسعورة والأطماع الإسرائيلية.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط