في بعض الأحيان لا نكتب عن التاريخ باعتبارنا قراءً أو محللين، وإنما نكتبه باعتبارنا شهودًا على أحداثه. وحين أتوقف أمام ذكرى الثلاثين من يونيو، لا أستدعي مجرد حدث سياسي أو محطة وطنية عابرة، بل أستعيد مرحلة كاملة من عمر الوطن كنت شاهدة على كثير من تفاصيلها، ومشاركة في بعض مساراتها الوطنية التي استهدفت بناء الإنسان المصري وتعزيز استقرار الدولة وترسيخ مفهوم الجمهورية الجديدة.
لقد شكلت ثورة الثلاثين من يونيو نقطة تحول فارقة في تاريخ مصر الحديث، حين خرج ملايين المصريين دفاعًا عن هويتهم الوطنية ودولتهم ومؤسساتهم، مؤمنين بأن مستقبل الوطن يستحق أن نحميه ونبنيه معًا. ومنذ ذلك التاريخ بدأت رحلة طويلة من العمل والتحديات والإنجازات التي أعادت صياغة المشهد المصري سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا.
وقد تشرفت بالمشاركة في الحملات الرئاسية لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ انتخابات عام 2014، ثم انتخابات 2018، والاستحقاق الرئاسي لعام 2023، وشاهدت عن قرب كيف تحولت الرؤية الوطنية إلى برامج عمل ومبادرات ومشروعات تنموية غيرت وجه الحياة في مصر.
كما تشرفت بعضويتي في المجلس الاستشاري الرئاسي للتنمية المجتمعية، ذلك المجلس الذي ضم نخبة متميزة من الخبرات الوطنية في مجالات الطب والتعليم والثقافة والإعلام والقانون والهندسة والخطاب الديني المستنير، وعمل على دعم توجهات الدولة المصرية في بناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.
ومن المبادرات التي أعتز كثيرًا بأنها خرجت من قناعة إنسانية ووطنية عميقة مبادرة “مصر بلا غارمات”، والتي تشرفت بعرضها على الرئيس. فقد انطلقت المبادرة من رؤية تؤمن بأن حماية المرأة المصرية هي حماية للأسرة، وأن استقرار الأسرة يمثل أحد أهم عناصر الأمن القومي والاجتماعي للدولة.
كانت القضية بالنسبة لنا تتجاوز الإفراج عن الغارمات إلى معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة من خلال التوعية والتمكين الاقتصادي والحماية الاجتماعية ومحو الأمية والتعليم والتشريعات الداعمة للمرأة.
وقد حظيت المبادرة باهتمام كبير من القيادة السياسية انطلاقًا من إيمان الدولة بأن المرأة المصرية هي شريك أساسي في عملية التنمية وبناء المجتمع، وأن تمكينها وحمايتها هو استثمار مباشر في استقرار الوطن ومستقبله.
وبفضل هذا الاهتمام تحولت القضية إلى ملف وطني تشاركت فيه مؤسسات الدولة كافة، من وزارات التضامن الاجتماعي والداخلية والعدل والتموين، إلى الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، في نموذج يعكس قدرة الدولة على تحويل المبادرات المجتمعية إلى سياسات وبرامج تحقق أثرًا حقيقيًا ومستدامًا.
وفي الوقت نفسه، تشرفت بخدمة وطني من خلال عملي ملحقًا ثقافيًا ورئيسًا للبعثات التعليمية المصرية بالخارج، وهي المهمة التي حملت رسالة وطنية نبيلة تتمثل في إعادة ترسيخ مكانة مصر باعتبارها قبلة التعليم والثقافة والمعرفة في الوطن العربي والإفريقي.
فقد آمنت الدولة المصرية بأن التعليم هو أساس التنمية وأحد أهم أدوات بناء القوة الناعمة المصرية، ولذلك عملنا على تعزيز التعاون الأكاديمي والثقافي وجذب الطلاب الوافدين للدراسة في الجامعات المصرية، حتى أصبحت مصر وجهة تعليمية مهمة للطلاب من مختلف الدول العربية والإفريقية والآسيوية.
وأشعر بالفخر حين أرى كثيرًا من هؤلاء الطلاب وقد أصبحوا اليوم أساتذة جامعات وباحثين وقادة في مجتمعاتهم، يحملون معهم صورة مصر ورسالتها العلمية والثقافية إلى العالم.
كما تشرفت خلال عملي في كازاخستان بالمشاركة في دعم الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية والعلوم الإنسانية، التي تمثل نموذجًا للدور الحضاري الذي تقوم به مصر والأزهر الشريف في نشر الفكر الإسلامي الوسطي المستنير وتعزيز قيم الحوار والتسامح والتعايش بين الشعوب، وهو امتداد طبيعي لدور مصر التاريخي كحاملة لرسالة الاعتدال والتنوير.
ومن المحطات الوطنية المهمة التي عاصرتها إطلاق صندوق تحيا مصر، الذي جسد أسمى معاني المسؤولية المجتمعية والتكاتف الوطني. لقد كان الصندوق نموذجًا غير مسبوق لمشاركة المجتمع المصري بكل فئاته في دعم جهود التنمية، حتى أصبحت مساهمات المصريين، من كبار رجال الأعمال إلى المواطن البسيط، رسالة حب وانتماء لوطن يستحق العطاء.
وقد أثبتت هذه التجربة أن المصريين قادرون على الاتحاد خلف مشروع وطني جامع، وأن المسؤولية المجتمعية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما مسؤولية وطن بأكمله.
كما جاءت مبادرة “100 مليون صحة” لتؤكد أن بناء الإنسان يبدأ من الحفاظ على صحته. فقد نجحت الدولة المصرية في تنفيذ واحدة من أكبر حملات الفحص والكشف المبكر على مستوى العالم، مستهدفة ملايين المواطنين للكشف عن فيروس سي والأمراض المزمنة وغير السارية، في تجربة رائدة أشادت بها المؤسسات الدولية وقدمت نموذجًا مصريًا متقدمًا في الرعاية الصحية الوقائية.
وعندما نتحدث عن إنجازات الجمهورية الجديدة، لا يمكن أن نتجاوز المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، التي تعد واحدة من أعظم المبادرات التنموية والاجتماعية في تاريخ مصر الحديث.
لقد نجحت المبادرة في تطوير آلاف القرى المصرية وتحسين البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية والبيطرية والتكنولوجية، وتعزيز الشمول المالي والتمكين الاقتصادي وريادة الأعمال، فضلًا عن توفير فرص حياة أفضل لملايين المواطنين.
ولم تكن “حياة كريمة” مجرد مشروع للبناء والتطوير، بل كانت مشروعًا لإعادة الاعتبار للإنسان المصري في الريف والمناطق الأكثر احتياجًا، انطلاقًا من رؤية تؤمن بأن العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة حق لكل مواطن.
كما مثلت المبادرة نموذجًا عالميًا للتنمية المحلية الشاملة التي تدمج بين البنية التحتية والتنمية البشرية والتمكين الاقتصادي في إطار واحد متكامل.
ثم جاءت مبادرة “بداية جديدة لبناء الإنسان” لتتوج فلسفة الجمهورية الجديدة القائمة على أن الإنسان هو محور التنمية وهدفها الأساسي.
فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المشروعات أو حجم الاستثمارات، وإنما بقدرة الدولة على بناء إنسان واعٍ ومتعلم ومبدع وصحي وقادر على المنافسة والإنتاج والمشاركة في بناء وطنه.
لقد أكدت هذه المبادرة أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة، وأن بناء الوعي والثقافة والمهارات والصحة هو الطريق الحقيقي نحو المستقبل.
كما لا يمكن إغفال التطور الكبير الذي شهده المجتمع المدني المصري خلال السنوات الماضية، وما تحقق من شراكات حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات العمل الأهلي، في إطار رؤية وطنية تؤمن بأن التنمية مسؤولية مشتركة، وأن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلب تضافر جهود الجميع.
وبعد أكثر من عقد على ثورة الثلاثين من يونيو، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن ما تحقق لم يكن مجرد سلسلة من المشروعات أو المبادرات، بل كان مشروعًا وطنيًا متكاملًا لصناعة الجمهورية الجديدة، جمهورية تضع الإنسان في قلب التنمية، وتؤمن بأن بناء الوعي والعلم والصحة والكرامة الإنسانية هو الطريق الحقيقي نحو المستقبل.
لقد كانت 30 يونيو صرخة شعب أراد استعادة وطنه، وتحولت إلى مسيرة بناء قادتها إرادة سياسية واعية وإرادة شعبية مؤمنة بمستقبل أفضل.
وأشعر بالفخر لأنني كنت شاهدة على هذه المرحلة المهمة من تاريخ وطني، ومساهمة في بعض محطاتها، ومؤمنة بأن ما تحقق خلال هذه السنوات يمثل أساسًا قويًا لمستقبل أكثر إشراقًا للأجيال القادمة.
ستظل مصر دائمًا وطن الحضارة والتاريخ والعلم، وستبقى إرادة شعبها وقدرته على البناء والتحدي هي سر قوتها الحقيقية.
تحيا مصر… وتبقى الجمهورية الجديدة قصة شعب اختار البناء بعد أن اختار الإنقاذ.
عضو المجلس الاستشاري الرئاسي للتنمية المجتمعية
رئيس مجلس أمناء المجلس العربي للمسؤولية المجتمعية والتنمية المستدامة



