شاهدنا مؤخراً إعادة ترويج لحديث د. مصطفى الفقى بتاريخ 5 سبتمبر 2023 على قناة ME Sat، والذى تم تداوله على نطاق واسع لكونه يمس علاقة معقدة جداً بين الرئيس أنور السادات والبابا شنودة الثالث والأب متى المسكين، وهى العلاقة التى حملت أقصى درجة من درجات التوتر بين الكنيسة والدولة خلال العصر الحديث.
كما حدثت قضية رسم الصليب على «التورتة»، وما تبعها من سجال طائفى أسود بغيض. وهو ما يؤكد على أن هناك محاولات دؤوبة فى سبيل استدعاء المناخ الطائفى وتأجيجه فى سبيل ترسيخ حالة وهمية من الطائفية وزيادة فجوة الانقسام والتشرذم بين المواطنين المصريين.
شهادة وليست وثيقة..
إذا تطرقنا إلى تصريحات د. مصطفى الفقى من منطلق سياسى ووطنى.. وبعيداً عن الانحيازات الشخصية أو الدينية.. سنتوقف أمام عدد من الملاحظات الملفتة المهمة، وهى:
مدى قيمة الشهادات المتأخرة فى كتابة التاريخ السياسى. فى علوم التاريخ، هناك فرق بين كل من: الوثيقة الأصلية سواء كانت رسالة، أو محضر اجتماع، أو تسجيل، أو مذكرة، أو تقرير رسمى. وبين الشهادة الشخصية سواء كانت مراسلات، أو مذكرات، أو روايات.. بغض النظر عن تاريخ نشرها أو الإعلان عنها.
من هنا، تأتى أهمية شهادة د.مصطفى الفقى، وما لها من قيمة مقدرة باعتباره كان ضمن الدائرة المعلوماتية المقربة للرئيس حسنى مبارك من جانب، ولاهتماماته المبكرة بالكنيسة المصرية من جانب آخر. وتظل ضمن سياق التصنيف باعتبارها شهادة شخصية، وليست وثيقة.. لأننا سمعنا شهادته، ولم نر المراسلات نفسها. ولكن لكونها تكشف معلومات أو موقف جديد، فأنها تفتح باب البحث للتحليل والاشتباك مثلما حدث تعليقاً على تلك التصريحات.
الحقيقة أن الصدام بين البابا شنودة الثالث والرئيس أنور السادات.. جاوز العلاقات الشخصية.. خاصة بعد موقف البابا شنودة من رفض زيارة القدس، وفتح باب التطبيع الدينى مع إسرائيل بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد سنة 1978. ولذا لا أستبعد وجود تلك المراسلات.. بقدر ما نحتاج الكشف عنها وإتاحتها.. لقراءتها وتحليل سياق مضمونها بدقة.
كشف تاريخى مباغت..
يطرح البعض سؤالاً حول تفسير ظهور هذه الرواية الآن. وهل تلك الرسائل موجودة بالفعل؟! وما هو تأثيرها السياسى المترتب على الإعلان عنها؟!
وهو طرح.. يستند إلى أن تلك الرسائل من شأنها إعادة رسم ملامح جديدة لصورة الأب متى المسكين.. باعتباره مفكراً مسيحياً معتدلاً، لم يختلف مع الدولة فى لحظة الصدام العظيم بين البابا شنودة الثالث والرئيس أنور السادات. وإنما ترسخت صورة نمطية عنه باعتباره مساند للرئيس ضد البابا. وهى رواية تاريخية لها انعكاسات على الجدل الحالى التى تسببت فيه هذه الشهادة للعلاقة بين الكنيسة والدولة.
استدعاء الأسخريوطى..
حساسية هذه الرسائل.. تستدعى علامة استفهام حول ما يمكن أن يترتب عليها من تناقض موقف الأب متى المسكين فى حالة صحة ودقة ما جاء بها حسبما صرح د.مصطفى الفقى. والمثال الدال على ذلك هو أنه يمكن أن ينتقد أى سياسى حزبى.. زعيم الحزب فى موقف أو رأى أو قرار، ولكنه فى الوقت نفسه يعارض عزله وسجنه. وفى حالة الأب متى المسكين الذى لم يعارض تحديد إقامة البابا شنودة الثالث فى دير الأنبا بيشوى أو إلغاء اعتراف الدولة به كبابا الكنيسة المصرية. على المستوى السياسى لا أجد تناقضاً حقيقياً، بل هو أمراً طبيعياً وإيجابياً جداً. أما على المستوى الدينى فهو خطأ دينى فادح لأن السمة الأساسية للنظام الكنسى الدينى هو الطاعة للبابا الذى يمثل كبير الأساقفة.. خاصة لو كان الاختلاف لا علاقة له بالعقيدة الدينية، بل فى العلاقة بين الكنيسة والدولة.
وللمزيد من التوضيح لدلالة تلك التصريحات. لو افترضنا جدلاً أن تلك الرسائل.. تنص على موقف صريح ومفهوم ومباشر للأب متى المسكين على غرار: «أنا مختلف مع البابا شنودة الثالث، ولكن لا يجوز المساس والتعرض لمكانته الروحية والدينية» أما كونها تحمل حسبما صرح د.مصطفى الفقى عبارة «أنا أؤيد البابا بالكامل» هو تأكيد على تناقض المواقف والتصريحات للأب متى المسكين مع ما هو منسوب له من قبل، والذى لم يعلن أبداً بأى شكل تأييده للبابا شنودة الثالث حينذاك، بل حملت تصريحاته وتعليقاته اختلافاً واضحاً. وبالتبعية، فإن تلك التصريحات.. أن كان ظاهرها هو تحسين صورة الأب متى المسكين، فأنها تحمل فى طياتها قناعات يهوذا الأسخريوطى الذى باع السيد المسيح وسلمه، ثم ندم وتراجع عن صفقته.
وفى كل الأحوال، طالما أن تلك الرسائل غير منشورة.. فلا يمكن الحكم القاطع عليها.
قواعد الاشتباك..
لا يجوز رفض شهادة د.مصطفى الفقى لمجرد أنها متأخرة زمنياً. كما لا يجوز قبولها كشهادة حقيقية مطلقة لأنها غير مدعومة بأى وثائق منشورة، وهو ما يعنى أن الحكم عليها قبل نشرها هو أمر مستحيل. ومع أهمية توضيح كيف يمكن أن تظل تلك الرسائل.. حبيسة أدراج مكتب فائق الأهمية والحساسية لمدة 3 سنوات؟!
قطعاً، وجود مراسلات بين شخصيات عامة دينية ورئاسة الدولة هو أمر طبيعى فى إدارة الأزمات والتوترات والعلاقات. ولكن الخطر هو استغلال تلك الرسائل الآن فى إعادة استدعاء انقسامات وخلافات قديمة.
تورتة مؤمنة..
انتشرت على السوشيال ميديا قصة مواطن مسيحى مصرى ذهب لطلب «تورتة» عليها رسم لصليب بالشيكولاتة.. فرفض أحد العاملين طلبه، ومن خلال التحليل القانونى الدقيق، أسأل: هل تم رفض تقديم الخدمة بسبب الهوية الدينية للعميل؟ ومع ملاحظة أنه لم يقل له: (لن نبيع للمسيحيين..) لأنها ستمثل حينها حالة تمييز واضحة. وإذا قال: (سنبيع التورتة.. ولكن لن نرسم رمزاً دينياً عليها).. فهى قضية مختلفة.
وأسأل أيضاً: هل رفض العامل لرسم الصليب هو مجرد رد فعل شخصى تماماً؟!
ولكن يظل التحليل السياسى لما حدث هو الأخطر.. لأنه لا يمكن اختزال الأزمة فى «التورتة». وبالتالى، يكون السؤال المنطقى: هل تم تطييف وتديين المجال العام المجتمعى المصرى.
تعليق البعض على ما سبق، هو أنه إذا كان الهلال والآيات والرموز الإسلامية موجودة فى المجال العام بشكل طبيعى، لماذا يصبح الصليب محل تحفظ ورفض وحساسية مفرطة؟!
وفى المقابل، لا يرى البعض مشكلة فى التعامل مع المواطن المسيحى المصرى، ولكن بشرط عدم المشاركة فى إنتاج أو صناعة رمز مسيحى دينى لا يؤمن به. وهنا يحدث الصدام المرتقب.. عندما يفسر كل طرف موقف الطرف الثانى بأقصى تفسير سلبى.
أما التحليل الاجتماعى، فإنه يظهر أنها مشكلة مصرية مزمنة.. لها أبعاد طائفية متشددة. وهوما جعل النقاش عنها يتحول إلى سجال ثنائيات ثقافة الكراهية، على غرار: المواطنة والتمييز، والأقلية والأغلبية، والدين والدولة. وانتهى الأمر ببيان استنكار واعتذار من الشركة المالكة للمحل المذكور.
أين العقدة؟!
أعتقد أن العقدة ليست فى «الصليب»، ولكن بالدرجة الأولى فى قبول الاختلاف والتعددية والاعتراف المتبادل لكل طرف حسبما يريد أن يقدم نفسه، وليس حسب ما يريد أن يراه غيره فيه. هناك فرق واضح بين التسامح وبين فرض وجود طرف على طرف ثان فى سبيل تحمل وجوده. القوة فى أن يعتبر كل طرف وجود غيره طبيعى، ومعادلاً موضوعياً لوجوده.
ولذا من الطبيعى، أن نجد من يطرح موقفه بقوة فى حبه وتقديره واحترامه للمواطنين المسيحيين المصريين.. غير أنه يتوتر عندما يرى رمزاً مسيحياً فى مساحة يراها حصرياً إسلامية.
ما يغفله المواطنون المسيحيون المصريون.. أنه ليس كل رفض يعود سببه للكراهية.. لأن هناك ثقافة مضللة تجعل البعض يعتقد دينياً أن رسم الصليب يعنى المشاركة والتضامن مع المعتقد الدينى المسيحى. وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذا الفهم المرتكز على التدين الشعبى. ومع التأكيد على أن هذا الفهم لا يعنى وجود عداء للمواطنين المسيحيين المصرين تلقائياً.
ما يغفله المواطنون المسلمون المصريون أن الرموز المسيحية مثل الصليب ليس مجرد رسم، ولكنه جزء من الهوية الشخصية الدينية المسيحية المصرية.. فهو شعار دينى ولا يحمل أى دلالة سياسية. ولهذا السبب عندما يرفض الرمز.. يترك هذا الموقف أثراً سلبياً لدى المواطن المسيحى المصرى.. وكأن وجوده مرفوض. وهو ما يزيد من أهمية الحساسية الوطنية.
على الهامش..
ليست القضية فى اعتقادى: هل يجوز رسم الصليب؟ كما أنها ليست: هل الشيف متطرف ومتعصب؟!
الخدمات العامة ليس لها دين.. لأنها ببساطة تقدم مقابلًا ماديًا محددًا.
قوة الدولة المدنية.. لا تقاس بغياب السجال الدينى، بل بالقدرة على جعل الخلافات الدينية ليست ذات تأثير فى الحقوق اليومية لجميع المواطنين المصريين.
وعلينا أن نتعامل مع ما حدث فى سياقه الفردى دون التهوين من دلالاته، ودون التضخيم لحد وصفه باعتباره ظاهرة.
نقطة ومن أول السطر..
الأمر لا يختزل فى إثبات من كان على حق قبل 45 سنة.. الرئيس أنور السادات أم البابا شنودة الثالث أم الأب متى المسكين. والأهم هو تحليل إدارة الأزمة بين الكنيسة والدولة لاستخلاص الخبرات المستفادة من هذه التجربة.
الصليب على «التورتة» هو مؤشر على السجال الطائفى الأسود الذى يكرس الفرز والإقصاء داخل مساحة ملتبسة فيما يخص إدارة التعددية الدينية فى المجال المصرى العام.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



