سبق القول بأنَّ حديثنا عن «مشروع قانون الأسرة» الماثل بين يدى أعضاء البرلمان يهدف إلى تحصين المجتمع بالوعى الذى يحميه من الاختطاف الفكرى المغرض باسم الدِّين البريء من كل المتاجرين به.
وقسَّمنا الحديث عن هذا المشروع إلى سبعة أقسام، وهي: محتوياته، والملاحظات العامة عليه، ونتائج تلك الملاحظات، وإيجابياته، وسلبياته، ومزايداته التى ترضى هوى الإسلام السياسى، والثَّقافة الجديدة التى ألجأتنا إليها ضرورة الحضارة وحوارها المجتمعي.
وتكلمنا عن ثلاثة أقسام منها، وهى محتوياته فى 355 مادَّة، والملاحظات العامة عليه فى إضافاته وتغييراته وتثبيتاته، ونتيجة تلك الملاحظات فى المطالبة ببقاء قوانين الأحوال الشخصية على وضعها الحالى، مع التَّجديد الجزئى شيئًا فشيئًا؛ لإنهاء آلام الآباء فى ترتيب المستحقين للحضانة، والطرف غير الحاضن بحق الاستزارة، والقضاء على ظاهرة المحلل وليدة الاعتراف بالطلاق الشفوى للمتزوجين رسميًّا، وهكذا رويدًا رويدًا فى الإصلاح النَّاعم، دون عنتريَّة وضع قانون جديد؛ لمنع تسلل هوى الإسلام السياسى المغرض.
ونستكمل اليوم أقسامًا أخرى:
رابعًا: إيجابيَّات مشروع قانون الأسرة
استحدث مشروع قانون الأسرة بعض المواد التى تحمى الأسرة من التَّفكُّك، والتى تولى مصلحة الطفل الفضلى أولويَّة، ومنها ما يلى: (1)حذف مشروعُ القانون فى مادته رقم (48) الفقرة سيِّئة السُّمعة التى تمنع النفقة عن الزوجة «إذا ارتدَّت، أو امتنعت مختارة عن تسليم نفسها دون حق، أو اضطرت إلى ذلك بسبب ليس من قبل الزوج» فى القانون الحالى رقم (25) لسنة 1920م، والمعدَّل بالقانون رقم (100) لسنة 1985م فى مادته رقم (1)، وأبقى سائر حقوق النفقة.
ومع ذلك فإنَّ مشروع القانون انتكس فى مادته رقم (76) فقرة (هـ) فجعل ردَّة أحد الزوجين سببًا لفسخ عقد الزواج، ولم يجعله خيارًا للزوج الآخر كقول ابن تيمية وابن القيم وابن كثير ورواية عن عمر بن الخطاب.
(2)استحدث مشروع القانون لطلاق الزوج قبل مضى ثلاث سنوات من العقد أنْ يطلب من رئيس بمحكمة الأسرة بصفته قاضيًا للأمور الوقتية استكمال إجراءات الطلاق، وعلى القاضى استدعاء الزوجين لمحاولة الإصلاح بينهما، فى المادة (84).
(3)اعترف مشروع القانون لأوَّل مرَّة بالبصمة الوراثية فى إثبات النسب فى ثلاث أحوال فقط، وهى: إنكار مَنْ يُنسب إليه الطفل، والتنازع حول مجهول النسب، وتشابه الأطفال أو اختلاطهم مادة (101)، واشترط مشروع القانون لنفى الرَّجل نسب الولد عنه بالفراش أن يكون خلال سبعة أيام من وقت الولادة إن كان حاضرًا أو من تاريخ العلم بها إن كان غائبًا بشرط ألَّا يكون قد اعترف بالنسب صراحة أو ضمنًا، وألَّا يكذبه دليل علمى معتمد مادة (105).
ويلاحظ أنَّ مشروع القانون منح الزوج حقَّ نفى ولد الفراش باللعان خلال شهر من العلم بالولادة، مادة (109).
كما يلاحظ أنَّ مشروع القانون تجنَّب اسم «البصمة الوراثية»، كما لو كان منقصة، وعبَّر عنها باسم «الطرق العلمية المعتمدة» فى المادة (101)، أو «دليل علمى معتمد» فى المادة (104)، والمادة (105) والمادة (106)، أو «أدلة علمية معتمدة» فى المادة (108)، أو «الوسائل العلمية المعتمدة» فى المادة (109).
(4)اعترف مشروع القانون بالإلحاق فى إثبات نسب مجهول النسب فى المادة (104)، وهو رأى جمهور الفقهاء؛ لمراعاة مصلحة الطفل، واشترطوا عدم التَّصريح بأنه من الزنى، ولم يشترط ابن تيمية هذا الشَّرط، وخالف فى كل ذلك الحنفية قياسًا وليس استحسانًا، كما خالف المالكية، فلم يعترفوا بالإلحاق فى إثبات نسب مجهول النسب بدون شهادة عدلين.
(5)خَفَّضَ مشروعُ القانون مدَّة إمهال الزوج لتوثيق طلاقه خلال خمسة عشر يومًا فى المادة (75) بعد أن كانت المدة شهرًا,
كما خَفَّض مدَّةَ غياب المفقود للحكم بموته إلى ثلاث سنوات فى المادة رقم (112)، بعد أن كانت أربع سنوات على مذهب المالكية، ويرى الجمهور أن يكون الغياب لأجل مثله.
كما خَفَّضَ مدَّة أقصى الحمل للمطلقة البائن والمتوفى عنها زوجها إلى عشرة أشهر قمرية فى المادتين (98، 99) بعد أن كانت سنة ميلادية
كما خَفَّض مدة غياب الزوج بدون عذر إلى ستة أشهر؛ لطلب الزوجة تطليقها للضرر مادة (80) بعد أن كانت مدة الغياب سنة.
(6)قدَّم مشروع القانون الأب فى الحضانة بعد الأم فى المادة (115)، وجعل أم الأم وإن علت بعد الأب، ثم أم الأب وإن علت.
وأرى حذف عبارة «وإن علت»؛ لعجزها عن القيام بمهام الحضانة، كما وقع خطأ مطبعى فى تقديم الخالات على بنت الأخت لأب فبنات الأخ بالتريب المذكور.
-كما اشترط مشروع القانون فى الحاضن شرطًا غامضًا ومثيرًا يمكن الاستغناء عنه، وهو: «ألَّا يُقيم معه مَنْ بينه وبين المحضون عداوة أو خصومة أو بغضاء» مادة (116) الفقرة الأخيرة.
-وأنهى مشروع القانون حفظ المحضون ببلوغ الصغير سنَّ الرُّشد، والصغيرة حتَّى تتزوج مادة (119).
وأرى التسوية فى إنهاء حفظ المحضون ببلوغ الصغير أو الصغيرة سن الرُّشد.
-وأسقط مشروع القانون حضانة الأب أو الأم بزواج أحدهما بغير محرم للصغير ما لم تقض مصلحة المحضون غير ذلك، واستثنى من ذلك زواج الأم إذا لم يبلغ المحضون سبع سنوات أو كان به علَّة أو إعاقة تحوجه للأم، مادة (122).
-أبقى مشروع القانون الحضانة بزواج الحاضن غير الأم أو الأب إلَّا فى حال الضرر، مادة (124).
وأرى استحقاق الأم أو الأب هذا الحق الممنوح لغيرهما.
-ومنع مشروع القانون الحاضن أو الحاضنة الانتقال بالمحضون إلى محافظة داخل الدولة لا يقيم بها مَنْ له الحق فى رؤيته والَّا سقط حقه فى الحضانة، مادة (125).
وأرى لزوم تقييد الانتقال بمحل الإقامة، وليس الانتقال المؤقت.
(7)استحدث مشروع القانون حقَّ الاستزارة لغير الحاضن من الوالدين، ثم للأجداد، الفصل الرابع من الباب السادس من القسم الأول الخاص بالولاية على النفس، فى تسع مواد (148: 156).
وهذا الحق أقرَّه الفقهاء فى جميع مذاهبهم بأشكال مختلفة بين موسِّع فى مدَّته وبين مضيِّق فيها، وسكت عنه القانون؛ لتمكين ذوى الشَّأن من التَّفاهم فيه، وبعد المعاندات التى تضرَّر فيها الأطفال اتَّجهت لجنة مشروع القانون - مشكورة - إلى النَّص عليه.
ويؤخذ على ما ورد فى مشروع الاستزارة المفروض على الحاضن دون إذنه، مادة (148) ما يلى: (أ)تحديد الحد الأدنى للاستزارة بثمانى ساعات، والأعلى باثنتى عشرة ساعة كل شهر. وأرى أنَّ الحد الأدنى يُترك بدون قيد.
(ب) عدم جواز الجمع بين الاستزارة والرؤية فى ذات الأسبوع إلَّا بإذن المحكمة. وأرى تعنُّت هذا القيد.
(ج) تحديد الحد الأدنى لمبيت المحضون بيومين، والأعلى بأربعة أيام منفصلة كل شهر، ولا تزيد أيام المبيت على ثلاثين يومًا من كل سنة ميلادية. وأرى ترك الحد الأدنى للمبيت مطلقًا.
(د)ويؤخذ على نصِّ المادة (150): «يكون لصاحب الحق فى الاستزارة أنْ يصطحب المحضون من محل إقامة حضانته ويعيده إليه فور انتهاء ميعادها»، أنَّها لم توجب ذلك على طالب الاستزارة، فكان الأصح أن يقال: «يجب على صاحب الحق فى الاستزارة أن يصطحب المحضون..».
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



