الخميس 02 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

«العدالة» المطلوبة فى الامتحانات

هل تنجح خطة إسقاط شاومينج؟

بوابة روز اليوسف

تحبس ملايين الأسر المصرية أنفاسها؛ ساعات تفصلنا عن فتح أبواب أضخم كتلة امتحانات موحدة بالشرق الأوسط، حيث يتأهب نحو 700 إلى 750 ألف طالب وطالبة بالثانوية العامة لدخول 2100 لجنة سير بمحافظات الجمهورية. وفى هذه الساعة الحرجة، وبينما ترفع غرف العمليات الطوارئ لملاحقة الوسائل المستحدثة للغش كالساعات الذكية ، كروت الفيزا الافتراضية، وسماعات الأذن اللاسلكية الدقيقة، تفتح «روزاليوسف» هذا الملف الاستباقى لتقدم فوق مائدة صناع القرار «روشتة الخلاص الجذرى»: الانتقال من «الورقة الثابتة الموحدة» التى يقتات عليها القراصنة، إلى «هندسة اليقين الرقمى» عبر الامتحانات الديناميكية التكيفية (CAT)، مستندين إلى ترسانة رقمية تضم أكثر من 3.5 إلى 4 ملايين جهاز تابلت موزعة بالفعل، و2500 مدرسة ثانوية مربوطة بكابلات الألياف الضوئية (الفايبر) فائقة السرعة.


صرخة أولياء الأمور
 


البداية من عصب القضية؛ نبض الشارع ليلة الامتحان. التقينا بـ«م. ش»، ولية أمر تعيش ليلة الامتحان بقلبين؛ قلب الأم الخائفة على مجهود ابنتها، وقلب الموظفة التى تتابع كواليس المنظومة كأخصائية مكتبات بوزارة التربية والتعليم. 
 


هذا العمق المزدوج يمنح شهادتها ثقلًا تربويًا يلامس الجرح الحقيقى للمنظومة.
 


وفى شهادة حية خصت بها «روزاليوسف»، تطلق «م. ش» صرخة ممتلئة بالوجع قائلة:
 


«إن عائلاتنا الكادحة تنفق الغالى والنفيس طوال العام على المراجعات والدروس الخصوصية، لكى ينال الطالب مجموعاً يعكس مجهوده الحقيقى. لقد أصبحت الثانوية العامة مكلفة للغاية، لا سيما فى مدارس اللغات والتجريبي؛ إذ قد يصل ثمن الحصة الواحدة إلى 500 جنيه! والدروس تبدأ من شهر أغسطس وتستمر حتى آخر يوم فى الامتحانات، مما يشكل عبئاً رهيباً على كاهل الأسر، إنه لشعور مؤسف وحالة من الرعب أن نرى تفشى قراصنة الغش والطلاب المخادعين، أو الآباء الذين يدعمونهم بالتدليس عبر شراء السماعات الدقيقة وسداد الأموال لمجموعات الغش الإلكترونى لحصد درجات مرتفعة بلا وجه حق، لنضطر فى نهاية المطاف – وأمام هذا الزيف – إلى اللجوء للجامعات الخاصة باهظة التكاليف لضمان مستقبل أبنائنا».
 


ومن واقع معايشتها لكواليس الوزارة، تكشف الإخصائية للمجلة عورات التقييم:
 


«نظام الـ4 نماذج الحالى لتغيير ترتيب الأسئلة ليس كافيًا؛ ففى ظل السماعات والتكنولوجيا الحديثة، أصبحت وسائل الغش أسرع. كثير من الطلاب الآن يلجأون للسماعات الدقيقة المخفية داخل الأذن والنظارات الموصلة بأجهزة إرسال ذكية للتواصل مع داعمى الغش خارج اللجان لسرقة مجهود أولادنا فى لحظة. 
 


فكرة أن يولد التابلت امتحانًا مختلفًا لكل طالب باللجنة هى الحل الأمثل لتحقيق العدالة، لكن الواقع يفرض الحذر؛ لأن منظومة التابلت لا تعمل حاليًا بجميع المحافظات وتصيبها أعطال الشبكات».
 


 نظام الامتحانات والتقييم
 


أمام هذه الأطروحة، يضع الدكتور محمد خليل موسى، الاستشارى التعليمى والأستاذ الجامعى،  مشرطه على موضع الداء، مفجرًا مفاجأة تربوية واجتماعية فى تصريح خاص لـ«روزاليوسف» بنبرة قاطعة:
 


«بالتأكيد، فإن تفشى الغش وقرصنته يُحدثان تأثيراً سلبياً عميقاً ويصيبا أولياء الأمور بالإحباط؛ فكثير منهم ألحقوا أبناءهم بأفضل المدارس، وفى النهاية يتساوى الطالب المجتهد مع من غش دون وجه حق! وتلك كارثة تُحطم نفسية الطالب المثابر. 
 


والحقيقة أن طرق التقييم الحالية التى تقيس الحفظ والتلقين أصبحت بالية وانتهت عالمياً».
 


وعند الانتقال إلى فلسفة الامتحانات الديناميكية التكيفية (CAT)، يتابع د.محمد موسى حديثه للمجلة محذرًا:
 


«بخصوص طرح الاختبارات الديناميكية التكيفية (مثل الـ GRE)، فهذا أمر ممتاز جداً؛ ولكن قبل أن نبحث عن طرق تضمن شفافية الاختبار، لا بد أن نعرف أن طريقة التعليم والتدريس غير مؤهلة لمثل هذه الاختبارات.
 

فالامتحانات الموحدة مناسبة لأنظمة التلقين، أما الأنظمة الديناميكية فتعتمد على القدرة على التحليل والاستنباط، وللأسف النظام الحالى لا يساعد على ذلك».
 


ويرسم الاستشارى التعليمى عبر منابرنا روشتة حتمية ومحددة لصناع القرار، مفادها:
 


«الروشتة التربوية أن يكون هناك تدريب أسبوعى داخل المدرسة قبل الإعداد لمثل هذه الاختبارات، ولكن هل مدارسنا تمتلك البنية التحتية المؤهلة؟ نحن نحاول جاهدين تقليل الكثافة الطلابية، فما بالك بتوفير حاسب آلى أو تابلت لكل طالب؟ الحل الأفضل أن تُعقد الاختبارات على الشاشة أو السبورة، ويقوم كل طالب بمسح الكيو آر كود (QR Code) ليظهر الاختبار على موبايله، بشرط مواجهة تحديات الإنترنت والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية فى البنية التحتية، فالأفضل تحويل المنظومة لتعليم تفاعلى».
 


اقتصاديات الجريمة الرقمية
 


تحذير ولية الأمر والروشتة التربوية، يأخذنا لتفكيك «سلسلة قيمة الغش الإلكترونى» عالميًا، حيث يشرح المهندس محمد الحارثى،  خبير تكنولوجيا المعلومات وعضو لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة، بنية تلك المنظمات فى تصريح خاص لـ «روزاليوسف» كاشفًا كواليسها بقوله:
 


«تقنيًا، لم تعد غرف الغش مجرد مجموعات عشوائية، بل تحولت عالميًا إلى شبكاتٍ منظمةٍ عابرة للحدود بفضل التشفير، وتعمل وفق نموذج الجريمة السيبرانية الاحترافية، معتمدة على تطبيقات توفر تشفيرًا عاليًا وإدارة قنوات واسعة مثل «تليجرام». وتزداد صعوبة ملاحقتها عندما تستخدم محافظ إلكترونية مستعارة، أو حسابات بأسماء الغير، أو العملات المشفرة لنقل الأموال بسرعة مع إخفاء هوية المستفيد، مما يعرقل جهود التتبع التقليدية».
 


ويضع «الحارثى» يده على الترياق التقنى القادر على نسف هذا البزنس، مستطردًا فى حديثه للمجلة:
 


«فى المقابل، فإن الانتقال إلى نموذج الامتحانات الديناميكية المشفرة يمثل تحولًا جذريًا. فبدلًا من وجود نموذج موحد يمكن تسريبه، يتم إنشاء نسخة رقمية فريدة لكل طالب باستخدام خوارزميات متقدمة تعيد ترتيب الأسئلة والاختيارات مستخرجة عناصر مختلفة من بنك أسئلة ضخم ومؤمن. 
 


وبهذا يصبح السؤال المسرب فاقدًا لقيمته الاقتصادية، لأن ما يظهر لطالب لن يطابق ما يظهر لغيره، ما يؤدى عمليًا إلى تجفيف المنبع المالى لمافيا الغش وتقويض نموذج أعمالها القائم على التسريب الجماعى».
 


ويختتم خبير تكنولوجيا المعلومات رؤيته اللوجستية للمجلة، جازمًا بالقول:
 


«أما حول قدرة البنية الرقمية على توليد مئات الآلاف من الامتحانات، فالحل لا يعتمد على خادم مركزى واحد، بل على بنية موزعة تعتمد على الحوسبة السحابية المحلية (Local Cloud Computing) وسيرفرات إقليمية أو خوادم مغلقة داخل اللجان نفسها، تعمل بمعزل عن الإنترنت المفتوح أثناء الامتحان، مما يضمن توزيع الأحمال، وتقليل احتمالات تعطل الخدمة، ورفع كفاءة الاستجابة».
 


 رصاصة الرحمة على إمبراطورية «شاومينج»
 


لم تعد المعركة فى لجان الثانوية العامة مواجهة تقليدية بين مراقب وطالب، بل حرب استنزاف سيبرانية تسرق عرق الأسر المصرية وتغتال أقدس حقوق أبنائنا: «تكافؤ الفرص»، لقد وضعت «روزاليوسف» اليوم، عبر هذا الملف، زر الإطلاق لنسف هذه المافيا الموازية على مائدة صناع القرار، بلا مواربة وبلا مسكنات.
 


إن الانتقال إلى «الامتحانات الديناميكية التكيفية» (CAT)، المدعومة بالحوسبة الطرفية (Local Cloud) والتأهيل التربوى التفاعلى المستمر، لم يعد خيارًا أو رفاهية، بل هو رصاصة الرحمة الحتمية التى ستحول ترسانة السماعات الدقيقة، والنظارات الذكية، والمحافظ المشفرة، إلى مجرد خردة إلكترونية. فعندما يصبح لكل طالب اختباره الفريد كبصمة إصبعه، يموت بزنس التسريب فى مهده، وتُكتب النهاية الأبدية لأسطورة الجريمة الجماعية.
 


إننا هنا لا ندق ناقوس الخطر ونمضى،  بل نضع خريطة الخلاص الجذرى بين يدى الدولة، لنثبت بالدليل القاطع أن هندسة اليقين الرقمى قادرة على ردع القرصنة، وإعادة حق الطالب الشقيان خالصًا كاملًا غير منقوص، لتبدأ من هنا رفعة المنظومة التعليمية بأكملها.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط