«أفعى الإخوان» الخفية
«البـحيرى» ممول الإرهاب الجديد الذى كشفته صراعات «جبهة لندن»
فى سراديب جماعة الإخوان «الإرهابية» وتنظيمها الدولى، لا تزال هناك شخصيات محورية تعمل فى الخفاء بعيدًا عن أضواء الإعلام، مستغلة إقامتها فى الغرب لتوجيه مسار فروع الجماعة والتنسيق بين قياداتها، وإدارة ملفها المالى والتحريضى من بعيد.
بين هؤلاء، يبرز اسم المهندس الثمانينى محمد أحمد البحيري، رغم قلة ظهوره الإعلامى مقارنة بغيره من القيادات، إذ تولى إدارة ملفات إدارية ومالية بالغة الحساسية فى التنظيم الدولى للجماعة على مدار عقود، وشكل محوراً رئيسياً فى الأزمات والانقسامات الأخيرة التى ضربت التنظيم فى الخارج.
تعود المسيرة التنظيمية للبحيرى داخل الإخوان منذ أوائل العشرينيات من عمره، ويرتبط اسمه بتنظيم سيد قطب الدموى الخاص فى ستينيات القرن الماضي، المعروف باسم «تنظيم 65» الذى خطط لإسقاط الحكومة المصرية ووقف خلف سلسلة من الاغتيالات الدموية فى البلاد لسياسيين وشخصيات عامة.
داخل السجون نمت علاقة وطيدة بين البحيرى والقيادات التاريخية لجماعة الإخوان، وعلى رأسهم المرشد السابق للجماعة محمد بديع، الذى جمعتهما علاقة صداقة وطيدة دفعت الأخير لحضور زواج نجل البحيرى فى سبتمبر 2010، بمدينة شبين الكوم، وهى علاقة لا يُخفيها الموقع الرسمى للجماعة.
محطات التنسيق والتمويل فى اليمن والسودان
عقب خروجه من السجن فى أوائل ثمانينيات القرن الماضى قبل انقضاء مدة عقوبته، بدأ البحيرى مهامه الخارجية بتكليف من قيادة الجماعة - آنذاك- لبناء «كوادر خارجية» وتقوية فرع اليمن، حيث سافر إلى العاصمة «صنعاء» وبقى فيها ما يقرب من 20 عاماً حتى بداية الألفية الجديدة.
فى كتابه «تجربتى فى سراديب الإخوان» يقول القيادى الإخوانى المنشق سامح عيد - الذى تواجد بين شباب الإخوان المصريين فى اليمن آنذاك- فى شهادته، إن البحيرى تولى عملية الإشراف على عناصر التنظيم من المصريين العاملين فى قطاع التعليم والمعاهد العلمية، حيث اعتمد أسلوبًا إداريًا صارمًا يقوم على الطاعة المطلقة، وعمل على تصعيد آلاف الكوادر وتأهيلهم تنظيمًا برتب رفيعة مثل رتبة عامل ونقيب، مما أتاح للجماعة لاحقاً توزيعهم فى الهياكل الإدارية داخل مصر والتمهيد لنفوذ مستقبلي».
يطلق الموقع الرسمى لجماعة الإخوان على البحيرى اسم «المُربى الكبير»، لدوره فى إعداد شباب الجماعة وتأهيلهم والتنسيق بينهم، كما امتدت يده لتشبيك العلاقات داخل التنظيم الدولى مستغلاً لجان الإغاثة الممولة من الخليج لجلب عقود عمل للإخوان فى جيبوتي، وإثيوبيا، والسودان، وحتى دول الاتحاد السوفيتى سابقًا.
أما فى السودان فكان له دور كبير فى تشكيل رؤية الجماعة هُناك، بعدما انتقل إليها فى نهاية التسعينيات، لقيادة العمل داخل «القارة السمراء» إفريقيا، التى أصبح لاحقًا المسئول الأول للإخوان وتنظيمها الدولى بداخلها، وعمل على تمدد الجماعة فيها وربطها بالمركز فى مصر.
فيما شكل انتقال البحيرى إلى السودان فى أواخر التسعينيات تحولاً استراتيجياً فى آليات إدارة فرع الجماعة هُناك؛ حيث تجاوز دوره التنسيق المحلى ليتولى تنسيق الرؤى الفكرية والسياسية بين إخوانيَ مصر والسودان، وبتوليه مسئولية قطاع إفريقيا داخل التنظيم الدولى بالقارة لاحقًا، سعى لإعداد استراتيجية تمدد عابرة للحدود، ارتكزت على دمج الفروع الإفريقية الناشئة وتأطيرها تنظيمياً، وتحويل القارة إلى مركز ثقل مالى وإدارى مرتبط عضوياً بالمركز القيادى فى مصر.
خلال هذه الفترة، أشرف البحيرى بشكل مباشر على استثمارات الجماعة المالية، مستغلاً شبكة علاقات متشعبة ولجان الإغاثة لتوفير عقود عمل وتمويلات عززت من الثقل الاقتصادى للتنظيم ككل.
ممارسة الأدوار العلنية فى مصر بعد 2011
فى أعقاب أحداث يناير 2011 ونجاح الجماعة الإرهابية فى انتخابات الرئاسة وتولى الحكم، كان للبحيرى دور فى إعادة هندسة التنظيم بما يتوافق مع المشهد السياسى الجديد فى مصر، حيث تولى ملفات التنسيق العابر للحدود بين إخوان الجماعة فى تونس، والمغرب، والسودان.
لكن عزل مرسي، فى يوليو 2013، كان نقطة التحول الكبرى التى دفعت البحيرى للهروب مُجدداً إلى السودان، واستغلال علاقاته الإفريقية المتشعبة لتأمين معيشة وإقامة العناصر الفارة من مصر، ثم توزيعهم لاحقاً على محاور تركيا والصومال، وجنوب إفريقيا، وبدأ يتنقل بين تركيا وبريطانيا للتنسيق مع منظمات دولية وحكومات غربية بشأن الوضع فى الداخل.
عُرف البحيرى داخل أدبيات الجماعة بحرصه على تطبيق مفهوم «السمع والطاعة»، مُعتبراً الانضباط الداخلى والسمع والطاعة ركائز أساسية لاستمرار التنظيم، وقد ظهر هذا التوجه الصارم فى أزمة شباب الإخوان فى السودان عام 2016، فعندما اعترضت مجموعات شبابية على قرارات القيادة وطالبت بمراجعات تنظيمية، ما دفعه باعتباره المسئول الأول عن قطاع القارة، لتبنى إجراءات حازمة شملت وقف الدعم المالى وإخراج المعترضين من مقار الإقامة لفرض الالتزام التنظيمي، وهو ما أثار احتجاجات واسعة داخل القواعد الشبابية التى اعتبرت الإجراءات عقابًا جماعيًا وتهميشًا لمطالبهم.
أزمة تسريبات تهز مكانة البحيرى
رغم دوره الفعال بمثابة «مرشد خفي» بعيد عن الأضواء، يدير الملفات الإدارية المعقدة فى تركيا ولندن ويحظى بدعم قطاع عريض من القواعد لكونه آخر المتبقين من تنظيم 65، إلا أن مكانته تعرضت لهزة عنيفة فى يوليو 2019.
فى تسريب صوتى، اتهمه القيادى بالجماعة فى تركيا أمير بسام بسرقة أموال الجماعة وتسجيل عقارات سكنية فى تركيا بأسمائهم، رفقة الثنائى محمود حسين، الأمين العام السابق للجماعة ومسئول ما يعرف بـ «جبهة إسطنبول»، ومحمود الإبياري، عضو التنظيم الدولي.
أخفق البحيرى فى احتواء الانقسام الداخلى المترتب على الأزمة التى تحولت لـ «فضيحة مالية»، مما عمق الفجوة بين الجيل القديم للجماعة والقواعد الشبابية التى اعتبرت القيادة مستفيدة مالياً على حساب الأفراد، وفى أكتوبر من نفس العام، أصدر البحيرى بيانًا، يُعلن فيه الولاء التنظيمى لإبراهيم منير، القائم بأعمال المرشد السابق باعتباره «إمام الجماعة الذى تجب له الطاعة».
فى أكتوبر 2021، شارك البحيرى فى تحركات تنظيمية اعتبرتها جبهة لندن محاولة انقلاب داخلى على صلاحيات منير، مما دفع الأخير إلى اتخاذ قرار رسمى بوقف البحيرى ومجموعته عن العمل. بدورها حاولت جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين، عام 2022 توظيف اسم البحيرى ونسب تصريحات مؤيدة لهم، مما دفعه لإصدار تسجيل صوتى يتبرأ فيه من اندماجه فى صفوفهم حفاظاً على توازنه التنظيمي.
المرشد الخفي
تردد اسم البحيرى كثيرًا باعتباره المرشد الخفى للجماعة، كان أبرزها فى أعقاب وفاة إبراهيم منير، نوفمبر 2022. وهذا لا ينفى أنه لا يزال أحد المرجعيات التاريخية الأقوى داخل التنظيم الدولى حاليًا.
ووفقاً للوائح التنظيمية للجماعة، يظل المؤهل الأول لتولى منصب القائم بأعمال المرشد العام كونه الأكبر سناً وآخر رموز الجيل القطبي.
فيما يواجه ذلك برفض فى أوساط شباب الجماعة لعمره الذى تجاوز الثالثة والثمانين، فضلاً عن صراعات الجماعة الداخلية بين جبهاتها الثلاثة التى تحول التوافق على قيادة واحدة.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



