الخميس 02 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بعد "كلام التجنيس".. كيف صنعت أوروبا أمجادها المونديالية؟

بوابة روز اليوسف

من يتّهم غيره بالتجنيس، عليه أولاً أن ينظر إلى بيته الزجاجي.. فأوروبا التي تتحدث كثيراً عن الهوية والانتماء، شُيّد جزء كبير من مجدها الكروي على أكتاف أبناء أفريقيا وأمريكا اللاتينية. 

 

فكرة القدم لم تكن يوماً حكراً على أوروبا، والتاريخ يقدّم شواهد لا تُحصى على قدرة منتخبات أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية على كسر الهيمنة وإسكات كل من يروّج لأسطورة التفوق الأوروبي المطلق.

 

في أفريقيا، فجّرت السنغال واحدة من أكبر مفاجآت كأس العالم عندما أسقطت فرنسا، حاملة اللقب، بهدف دون رد في افتتاح مونديال 2002.. وقبلها باثني عشر عاماً، أطاحت الكاميرون بالأرجنتين بطلة العالم في افتتاح مونديال 1990 قبل أن تبلغ ربع النهائي.. أما المغرب فكتب التاريخ في مونديال 2022 عندما أصبح أول منتخب أفريقي يصل إلى نصف نهائي كأس العالم، بعد إقصاء بلجيكا وإسبانيا والبرتغال تباعاً.

 

وفي آسيا، حققت كوريا الجنوبية المركز الرابع عالمياً في مونديال 2002 بعد إقصاء إيطاليا وإسبانيا، بينما أذهلت اليابان العالم في نسخة 2022 بالفوز على ألمانيا وإسبانيا في مجموعة واحدة، ونجحت السعودية في تحقيق واحدة من أكبر مفاجآت البطولة بإسقاط الأرجنتين، التي تُوّجت لاحقاً باللقب، بنتيجة 2-1.

 

أما أمريكا اللاتينية، فلا تحتاج إلى شهادة من أحد.. فالأرجنتين هي بطلة العالم الحالية، والبرازيل تتربع على عرش المونديال بخمسة ألقاب، فيما تمتلك أوروجواي لقبين عالميين.. وهي أرقام تؤكد أن كرة القدم ملك للعالم كله، وليست امتيازاً حصرياً لقارة بعينها.

 

لكن المفارقة الكبرى تظهر عندما يتحدث البعض في أوروبا عن الهوية ونقاء المنتخبات.. فأبرز موهبة كروية في القارة حالياً، لامين يامال، يحمل جذوراً مغربية ومن غينيا الاستوائية.. ولولا الهجرة وتعدد الأصول، لما ظهر هذا النجم الذي تتغنى به أوروبا اليوم.

 

والأمر لا يتوقف عند لامين يامال.. فمنتخب فرنسا المتوج بكأس العالم 2018 اعتمد بصورة واضحة على لاعبين من أصول أفريقية.. فمن بين 23 لاعباً ضمتهم القائمة، كان 15 لاعباً من أصول أفريقية، بنسبة قاربت 65%.. ومن أبرزهم كيليان مبابي صاحب الأصول الكاميرونية، وبول بوجبا المنحدر من غينيا، ونجولو كانتي من أصول مالية، وصامويل أومتيتي من أصول كاميرونية، وستيف مانداندا من الكونغو، وبنجامين ميندي من السنغال، وعثمان ديمبيلي من أصول مالية، إلى جانب أسماء أخرى ساهمت في صناعة اللقب.

 

وبعبارة مباشرة، فإن النجمة الثانية التي أضافتها فرنسا إلى قميصها جاءت بجهود أبناء أفريقيا وجالياتها المنتشرة في أوروبا.. وحتى في قائمة فرنسا الحالية لمونديال 2026، يبرز مبابي وديمبيلي وكولو مواني وكامافينجا وكوندي وساليبا وتشواميني وغيرهم من اللاعبين ذوي الأصول الأفريقية والكاريبية، بما يمثل نسبة كبيرة من قوام المنتخب.

 

إن الحديث عن الهوية لا يجوز أن يتحول إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد الآخرين فقط.. فمن يتحدث عن نقاء المنتخبات عليه أن ينظر أولاً إلى واقع منتخباته.. أوروبا نفسها صنعت جانباً كبيراً من مجدها الكروي بعرق أبناء أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهذه حقيقة تؤكدها الأسماء والإنجازات قبل أن تؤكدها الإحصاءات.

 

لامين يامال ذو جذور مغربية، ومبابي من أصول كاميرونية، وكانتي من أصول مالية، وغيرهم كثيرون ممن ساهموا في كتابة تاريخ الكرة الأوروبية الحديثة. ولهذا ستبقى كرة القدم اللعبة الأكثر عالمية، لأنها تُبنى بالمواهب أينما وُجدت، لا بالحدود ولا بالشعارات .

تم نسخ الرابط