وداعا دياب فنان الزمن الجميل
رحل عن عالمنا واحد من أهم وأبرز فنانى الكاريكاتير فى مصر والوطن العربى، وآخر جيل العمالقة من رسامى الكاريكاتير بمؤسسة روزاليوسف العريقة، الفنان الكبير إسماعيل دياب، بعد تاريخ صحفى حافل ورحلة فنية طويلة امتدت عدة عقود، ترك خلالها بصمة لا تنسى فى الصحافة وفن الكاريكاتير.
يعد الفنان الكبير إسماعيل دياب، أحد أعمدة الجيل الذهبى فى فن الكاريكاتير فترة الستينيات والسبعينيات من7 القرن الماضى، وتميزت صفحات مجلتى روزاليوسف وصباح الخير، بأعماله المبتكرة، التى اتسمت بالخطوط السهلة الواضحة والأفكار المعبرة عن أحوال الشارع المصرى، وهموم المواطن العادى.
وابتكر الراحل شخصية عبدالماضى الكاريكاتورية، التى لقيت شهرة كبيرة واقترنت باسمه، وتعد إضافة كبيرة لمكتبة الكاريكاتير المصرى والعربى.

من الأبيض والأسود إلى وجدان الناس
ويبقى الأثر.. «الكاريكاتير» يودع فيلسوفه الساخر إسماعيل دياب
عمرو سليم.. أثبت أن الموهبة يمكن أن تُورث
أثبت الفنان القدير إسماعيل دياب أن الموهبة يمكن أن تُورث، خاصة أننا لم نمتلك فى تاريخ الكاريكاتير المصرى رسام كاريكاتير أصبح ابنه رساما سوى الفنان الكبير «عبد السميع» الذى ورث ابنه عمرو عبد السميع فنون الكاريكاتير والإعلام، ولكن موهبة «عمرو» كرسام كاريكاتير ظهرت على استحياء، وعبر مساحات ضيقة فى جريدة الأهرام، وكانت أشبه بكاريكاتير اقتصادى ينشر بين الحين والآخر، فى المقابل فإنه يمتلك موهبة صحفية مميزة، واليوم لم يتبق لنا من «دياب» سوى نتاج إبداعاته، وابنه «أحمد» أدام الله عمره، وجعله مصدرا دائما للسعادة وأدام موهبته، وإبداعه.
عبد الرحمن أبو بكر.. أفكاره تمثل السهل الممتنع
عُرفت مجلة «روزاليوسف» أو «روزا» كما يلقبها جموع شعب الوطن العربى، بنقدها السياسى اللاذع محليًا وعالميًا، وهى سياستها التحريرية التى ميزتها حتى الآن.
أما عن الجانب الإخراجى بها، فقد اشتهرت بصفحات «الاثنين لون» كما نلقبها نحن جموع العاملين فى المجال الصحفي.
«الأحمر والأسود» هما أساس إخراج المجلة فى وقت ندرة طباعة الصحافة الملونة، ومن رحم اللونين ولد لون آخر، وهو الأبيض الناصع الذى تشكل فى هيئة رسام كاريكاتير حافظ على بياض قلبه ويديه، إنه الفنان الكبير الراحل العم إسماعيل دياب، أو كما كان يذيل رسومه بإمضائه المميز «دياب»، وتحت حرف الباء كانت هناك 3 نقط مفرغة معبرة عن الـ 3 ألوان السابقة.
تميز العم «دياب» فى مدرسة الكاريكاتير الاجتماعى، كما كان نهج أستاذه وزميله العم «حجازي»، لكن «دياب» لم يعش فى جلباب أبيه «حجازي» طويلًا، وبعد تمرده على الجلباب الحجازى ظهرت خطوطه السوداء القوية.
حتى خيّل إلىّ وأنا أرى رسومه السياسية أنها بريشة مواطن مصرى بسيط، يجلس على مقهاه ويدلى بدلوه فى الشأن السياسى المحلى والعالمى، وإن سنحت له الفرصة للتعبير عن أفكاره، فإنها تتحول فورًا لرسوم أغلفة لمجلة «روزا» وشقيقتها الصغرى «صباح الخير».
رحل العم «دياب» فى هدوء ووقار كعادته، وترك لنا لغز الـ3 ألوان التى أتت بهذا العبقرى، الذى رحل بأحدهم وهو اللون الأبيض، وترك لنا الأحمر والأسود ليعيدا علينا سرد القصة كل يوم.
سمير عبد الغنى.. كان بسيطًا وجميلًا ومدهشًا
التقيت بالفنان الراحل إسماعيل دياب للمرة الأولى عام 1990، وكنت محظوظًا للغاية لأننى قابلت إنسانا عظيما وفنانا رائعا، دائمًا ما كنت أسأله عن صلاح جاهين، وحجازى، وصلاح الليثى، ومحيى اللباد، وإيهاب شاكر، وهو يشاهد لوحاتى الساذجة البسيطة المتواضعة، ثم ينظر فى وجهى ويقول: «تحدثنا عن كل الرسامين، وفى اللقاء القادم سوف أحكى لك عن دياب»، ولم يتحدث عن نفسه أبدًا.
كان بسيطًا وجميلًا ومدهشًا، ويكفيه أن صلاح جاهين قال إن أعظم شخصية كاريكاتورية تضحكه وتؤثر فيه هى «محمود بك عبد الماضي» التى ابتكرها «دياب».
مصطفى الشيخ.. الجميع اتفق على إبداعه وهدوئه وعدم ميله للظهور
أتعجب وأنا أطالع لوحات «دياب» من جمال خطوطه ووضوح فكرته وغزارة إنتاجه، ومن شخصية «عبد الماضي» التى ابتكرها ليعبر بها عن الذين يعيشون أسرى للماضى وللأفكار الرجعية.. والجميع اتفق على إبداعه وهدوئه وعدم ميله للظهور، وكانت هناك صعوبة بالغة فى الحصول على صورة تذكارية معه.
وقررنا فى مجلس إدارة الجمعية المصرية للكاريكاتير اختياره شخصية معرض 2025، وبالفعل تواصلنا مع ابنه الفنان الجميل أحمد دياب، وكان هناك إجماع على استحالة حضور والده نظرًا لظروفه الصحية وتقدمه فى العمر، وأقيم المعرض وتفاجأت وأنا فى الطريق إلى المعرض باتصال من زميلنا الفنان «أحمد عبد النعيم» يخبرنى بأن الفنان الكبير إسماعيل دياب، كان أول الحاضرين، حينها شعرت أن حضوره كرم وفضل من الله، وغمرتنى السعادة لأننى أخيرًا سألتقى بالفنان الكبير، ولأن حضوره من شأنه أن يضاعف نجاح المعرض، ويشكل مفاجأة سارة لمحبيه.
وتمثلت المفاجأة الثانية فى حضور قامات صحفية وفنية وأدبية، وقد عبروا عن مدى سعادتهم بلوحات «دياب»، وانبهروا بها، كونها تناقش قضايا الحاضر والمستقبل.
كما لاحظت خلال لقائنا أن عمنا «دياب» مرتبًا فى أفكاره، متذكرًا جيدًا لتفاصيل الأحداث التاريخية، حتى إنه كان يعدل بعض المعلومات المغلوطة لمحاوريه، وكانت ليلة مليئة بالحب والدفء والمودة.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف



