على أنغام النول.. حكاية مهنة تتحدى الزمن وتحفظ التراث المصري
محسن سعيد.. 35 عامًا بين خيوط السجاد اليدوي: "كل قطعة تحمل روح صانعها ولا يمكن أن تتكرر"
وسط حركة السياح في أحد شوارع منطقة سقارة، لا يحتاج محسن سعيد إلى لافتة تعريفية أو معرض لعرض أعماله؛ فصوت النول الخشبي وحركة أصابعه بين خيوط الصوف كفيلان بجذب أنظار المارة، الذين يتوقفون في دهشة لمتابعة ولادة سجادة مصرية يدوية، تُنسج عقدة بعد أخرى أمام أعينهم.
هناك، التقينا محسن سعيد، أحد أقدم صناع السجاد اليدوي بالنول في مصر، والذي تجاوزت رحلته مع هذه الحرفة 35 عامًا، وهو الآن في أوائل الخمسينيات من عمره، لا يزال يحمل الشغف نفسه الذي بدأ به منذ صباه، مؤمنًا بأن الحفاظ على التراث مسؤولية لا تقل أهمية عن إتقان الصنعة نفسها.
وتُعد صناعة السجاد بالنول من أقدم الحرف اليدوية التي عرفتها البشرية، حيث تعود جذورها إلى آلاف السنين، حين بدأ الإنسان في نسج الألياف الطبيعية لصناعة أغطية الأرضيات، قبل أن تتحول مع مرور الزمن إلى فن يجمع بين المهارة اليدوية والإبداع في الزخرفة والألوان.
وفي مصر، ازدهرت هذه الصناعة في عدد من المناطق التي اشتهرت بإنتاج السجاد اليدوي عالي الجودة، ومن بينها منطقة سقارة، التي ما زالت تحافظ على هذا التراث العريق رغم تحديات العصر.
ويقول محسن سعيد: "هذه ليست مجرد مهنة، بل ميراث عائلي توارثناه جيلًا بعد جيل، تعلمتها من والدي وأجدادي، وأقوم اليوم بتعليمها لأبنائي وأحفادي حتى تستمر ولا تندثر".
وأضاف أن أغلب من يعملون بهذه الحرفة لا يمتلكون ورشًا مستقلة، بل يمارسونها داخل منازلهم، حيث يتحول جزء من المنزل إلى مساحة للعمل، لتظل المهنة مرتبطة بالحياة اليومية للأسرة المصرية كما كانت منذ عشرات السنين.
وأوضح أن إتقان صناعة السجاد لا يحتاج إلى قوة بدنية أو مهارات استثنائية بقدر ما يحتاج إلى الصبر والدقة، قائلاً: "الناس تظن أن السجادة تُصنع خلال يوم أو يومين، لكن الحقيقة أن القطعة الواحدة قد تستغرق أكثر من 90 يومًا، بحسب حجمها وعدد العقد الموجودة بها".
ولذلك يحرص على العمل بالنول في الأماكن التي يقصدها السائحون، ليس فقط لعرض منتجاته، وإنما ليشاهد الزائر بنفسه كيف تُصنع السجادة اليدوية المصرية.
وقال: "أتنقل بين المحافظات التي تشهد حركة سياحية، حتى يرى الزائرون ما يصنعه المصريون بأيديهم، ويشاهدوا حجم الجهد المبذول في كل قطعة، ويدركوا أنها عمل يدوي خالص وليست منتجًا مصنعًا".
وأشار إلى أن الخبرة الممتدة لأكثر من 3 عقود أكسبته سرعة في الأداء، لكنها لم تُلغِ الدقة، مؤكدًا أن كل سجادة تحمل بصمة صانعها.
وأضاف: "من المستحيل أن نصنع قطعتين متطابقتين تمامًا، حتى لو نفذهما الشخص نفسه، فلا بد أن تحمل كل قطعة شخصية مختلفة، وهذا هو سر قيمتها".
وأكد أن هذا الجهد الكبير هو ما يمنح السجاد اليدوي قيمته الحقيقية، إذ تُعرض بعض القطع بآلاف الجنيهات، لأنها تُنفذ خصيصًا وفق ذوق العميل، لتصبح قطعة فنية فريدة لا يمكن العثور على نسخة مماثلة لها.
ويُعد النول الأداة الأساسية في صناعة السجاد اليدوي، وهو إطار خشبي أو معدني تُشد عليه خيوط السدى، ثم يبدأ النساج في عقد خيوط الصوف أو القطن أو الحرير، مستخدمًا أدوات بسيطة مثل السكين والمشط لضغط العقد وتثبيتها.
وتمر صناعة السجاد بعدة مراحل تبدأ برسم التصميم، ثم تجهيز الخيوط وصباغتها، يليها شد خيوط السدى على النول، ثم النسج اليدوي الذي قد يستغرق أسابيع أو أشهر بحسب مساحة السجادة وكثافة العقد، قبل أن تخضع في النهاية لعمليات التشطيب والغسل وقص الزوائد.
ولم تتوقف المهنة عند صناعة السجاد والكليم فقط، بل شهدت تطويرًا يتماشى مع متطلبات السوق، من خلال إدخال خامات مثل الجلد والأقمشة في بعض التصميمات، إلى جانب استخدام النول في صناعة الحقائب النسائية والمشغولات الفنية.
كما تطورت الرسومات لتجمع بين أصالة الماضي وروح العصر، فأصبحت تضم نقوشًا مستوحاة من الفن الفرعوني، والزخارف المصرية القديمة، والتراث النوبي والسيناوي، إلى جانب تصميمات حديثة تلبي مختلف الأذواق، بما يحافظ على استمرارية هذه الحرفة العريقة.
ويعود محسن سعيد إلى نوله الخشبي، ينسج خيطًا جديدًا، مؤمنًا بأن كل عقدة يربطها ليست مجرد جزء من سجادة، بل خيط جديد يحفظ حرفة مصرية عريقة من الاندثار.



