جاء الاحتفال بذكرَى ثورة 30 يونيو متميزًا هذا العام؛ حيث شهد العالم حدثين رفعا اسم مصر إلى عنان السماء، أولهما رسمى والآخر جماهيرى.. تلك الأحداث التى أصبحت حديث الشعوب وقادة الدول ذكرتنى بأغنية فيروز الشهيرة:
مصر عادت شمسك الذهب.. تحمل الأرض وتغترب
الحدث الرسمى هو افتتاح رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة عبدالفتاح السيسي مقر القيادة الاستراتيجية للدولة «الأوكتاجون» مرتديًا الزّى العسكرى.. وهو إن دل على شىء؛ إنما يدل على الجاهزية التامة للدفاع عن أمن مصر فى وقت تشهد فيه المنطقة تحديات وتهديدات متسارعة؛ حيث يعد مقر القيادة أكبر صرح عسكرى فى الشرق الأوسط.. والعبرة ليست فى مساحته ومبانيه الثمانية وشدة تحصينه فقط؛ وإنما فى كونه مركزًا متكاملاً لإدارة الأزمات والعمليات العسكرية، بالاعتماد على شبكات اتصال مؤمَّنة وتطبيقات الذكاء الاصطناعى لضمان سرعة اتخاذ القرار، الربط التكاملى بين مختلف الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة ومؤسّسات الدولة السيادية، مما يرفع من كفاءة التنسيق والجاهزة لمواجهة التحديات الإقليمية.. وقد جاءت كلمة القائد الأعلى للقوات المسلحة كما أشار؛ تجسيدًا لعقيدة راسخة بأنّ حماية الوطن مسئولية لا تحتمل التهاون، وأن ردع كل مَن تسول له نفسه المساس بأمن مصر وسيادتها واجب مقدس، وأن حدود مصر خط أحمر تحميه إرادة شعبها ويصونه رجال قواتها المسلحة بما يملكون من كفاءة واقتدار.
وعى القيادة السياسية بما يُحاك لمصر كشف للشعب المصرى حجم المؤامرات واحدة تلو الأخرى وأن حكم الإخوان لم يكن إلا بداية لسلسلة من معاول الهدم والتخريب.. وعندما سقط كارت الإخوان؛ بدأ صناع قرار مخطط الشرق الأوسط الجديد فى التلويح بالكروت الأخرى، أخطرها كارت تهديد أمن مصر المائى من خلال السد الإثيوبى ومحاولات تهديد الملاحة فى البحر الأحمر بما ينعكس على أمن مصر الملاحى ومرفق قناة السويس.. كروت أخرى مثل استمرار الصراعات فى السودان ومحاولات ميليشيا الدعم السريع الاستيلاء على المناطق الغنية وتصدير القلاقل إلى الحدود المصرية، أضف إلى ذلك ملف تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء.. وأمام تلك التهديدات رفعت القوات المسلحة حالة التأهب والاستنفار لحماية حدود وأمن مصر القومى.. أعلى درجات الجاهزية للجيش المصرى لم يأتِ من فراغ بعد رفع قدراته القتالية وتنويع مصادر السلاح والأهم توطين الصناعات العسكرية المتقدمة، وأخيرًا افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية.
أمّا الحدث الجماهيرى وهو ليس جماهيريًا محليًا فقط؛ بل قوميًا وعالميًا، تقف الكلمات عاجزة عن التعبير عنه، فما حدث قبل وبعد فوز منتخب مصر على منتخب أستراليا فى مباريات كأس العالم من مَشاهد ومشاعر لا يمكن تصديقها، العالم كله وقف مذهولاً أمام الأعداد الغفيرة للمصريين الذين أتوا من كل صوب وحدب، حتى امتلأت بهم شوارع أمريكا، العرب الموصومون بالجملة الشهيرة «اتفقوا على ألا يتفقوا»، اتفقوا على حب مصر والمصريين، رصدت وسائل التواصل الاجتماعى تجمعات العرب فى جميع الدول العربية، وكيف احتشد المئات فى المقاهى والشوارع والمنازل، توقفت بهم ساعة الزمن ليشاهدوا المباراة بكل شغف ولهفة وحب، تعالت أصواتهم وصرخاتهم عند كل هدف لمصر.. خرجت الجماهير العربية فى مظاهرات احتفالية لم تشهدها المنطقة من قبل.. كل الدول شىء، وغزة الجريحة شىء آخر.. نسى الشعب الفلسطينى لساعات معدودة ويلات الحرب والفقد والنزوح وخرج مهللاً يهتف لمصر حاملاً أعلامَها، كبار وصغار تشع الفرحة من عيونهم.
أتصور أن هذا الحدث الفريد هو انعكاس لمكانة مصر كقوة ناعمة، وإرثها التاريخى والثقافى والفنى والتعليمى، ذلك الإرث الذى تشكلت به وجدان الشعوب العربية التى عَبَّرت بمشاعر صادقة عن حبها لمصر.



