الثلاثاء 14 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

أراح السيد ترامب العالم، وانشغلت شعوب العالم، وبالأخص مدمني مشاهدة كرة القدم، بمتابعة مونديال 2026، بعد توقف حربه أو ما شابه مع إيران، لتبقي التهديدات والوعيد بألف صاروخ فى حال استهدافه لها من أجل تصحيح مسار المفاوضات، والتوصل لاتفاق شامل.

أثناء تواجدي بلندن دعاني أحد الأصدقاء لناديه الاجتماعي بمنطقة سان جيمس بقلب العاصمة البريطانية، وهناك قدمني كصحفيّ للمعالجة النفسية البريطانية والاستشارية في مجال الأمان العاطفي سالي بيكر، وهي كاتبةً أيضاً ولها مؤلفات عديدة لتقنيات علاجية تضعها بين يدي القارئ لمواجهة مختلف تحديات الحياة، وهي تقدم الدعم للأشخاص الذين يبدون متمكنين وقادرين في الظاهر، لكنهم يشعرون بوطأة أعباء هائلة في دواخلهم، سواء كانوا  من البالغين ذوي الأداء العالي، أو القادة الذين يعملون تحت ضغط كبير، أو المبدعين، أو ممن يعانون من القلق أو الاحتراق النفسي، أو الأفراد.

 

أكملت سالي بيكر حديثها معي عن الإدمان الكروي، وهو ما أشرت إليه فى مقالي السابق، لتحكي عن تجربتها الشخصية في إدمان مشاهدة كرة القدم، ومحاولة التخلص منها: "في حالتي، كان عقلي ينتشي ويشعر بحالة من الإثارة والنشاط بمجرد وصول إشعار على هاتفي يتضمن مقالاً أو "بودكاست" جديداً عن توتنهام.

 

لقد أخبرتُ بيكر بمدى عمق وقوة هذه المتعة، حتى إنني استخدمتُ - على سبيل المزاح - كلمة "نشوة جنسية" (orgasmic) لوصفها. فردّت بيكر قائلة: "إن هرمونات الدماغ التي تُفرز عند اكتساب رؤية ثاقبة أو الشعور بالارتباط بشيء تهتم به، هي ذاتها الهرمونات التي تُفرز عند مشاهدة المواد الإباحية".

هل يمكن لستة أسابيع من الانقطاع التام عن كرة القدم أن تساعد في التخلص من هذه العادة؟ أخبرتني بيكر أن "آراء علماء النفس تتفاوت، لكنهم يجمعون على أن الأمر يتطلب فترة تتراوح بين 21 يوماً وثلاثة أشهر لإعادة ضبط الدماغ بالكامل.

 

وتكمل: "ألغيت اشتراكي في برامج "البودكاست" التي كانت تستهلك ساعات وساعات من وقتي الأسبوعي (كنت أتابع ثلاثة برامج بانتظام شديد، بالإضافة إلى مجموعة من الخيارات الثانوية ذات جودة إنتاج متدنية). قمت بأرشفة بعض مجموعات "واتساب" التي كانت كرة القدم محور النقاش فيها، وحذفت تطبيق "إنستجرام".

"أخبرت بعض الأصدقاء بقراري، بينما ابتعدت عن آخرين. وعندما كنت أرتاد المقاهي والحانات -بعد انتقائها بعناية لضمان عدم عرضها لأي مباريات- كنت أراسل معارفي المهووسين بكرة القدم مسبقاً لأطلب منهم تجنب الحديث عن اللعبة.

وقد تعاونت معي عائلتي برحابة صدر، كما التزمت شريكتي بالعيادة  "روبن"  -وهي مشجعة لأحد الفرق - تضامنا بالصمت بشكل مثير للإعجاب، لقد اجتزتُ الأسابيع القليلة الأولى بسلاسة، وشعرت بقدر كبير من الرضا عن النفس. عندما كانت تُبث فقرة عن كرة القدم عبر الراديو أو التلفاز، كنت أبدأ بالصراخ "لا لا لا" وأسارع لإغلاق الجهاز بجنون، حتى إنني اضطررت لتغيير مقعدي في الحافلة لأن بعض الأطفال كانوا يتحدثون عن فريق "مانشستر يونايتد"؛ لقد كنت ملتزماً تماماً بقراري.

"ربما تكون على دراية بالمفهوم النفسي المعروف بـ"التدفق" (Flow): وهي حالة وعي مفعمة بالرضا العميق، حيث نكون منغمسين تماماً في نشاط واحد يمنحنا المتعة. قد يكون هذا النشاط زراعة الورود، أو الحياكة، أو العزف الموسيقي، أو تركيب قطع "الليجو"؛ أي شيء. إن الأشخاص الذين ينجحون في الانغماس بانتظام في حالة "التدفق" هذه، يختبرون مستويات أعلى من الرضا. ومع ذلك، فإن عالمنا المليء بالمشتتات ومكافآت الدوبامين السريعة يجعل من الصعب التركيز على حالات التدفق تلك التي تجلب لنا السعادة.

لقد ساعدني بدء يومي دون متابعة الروتين المعتاد لملخصات وتقارير ومقالات كرة القدم على الدخول في حالة "التدفق" مع كتابي قبل الشروع في العمل. وكلما حدث ذلك، كنت أشعر بشعور طيب وبمزيد من الهدوء. وبالفعل، أنجزتُ المسودة الثانية، ومنحني هذا سعادة حقيقية".

 

لقد تركت للخبيرة والمعالجة النفسية سالي بيكر تحكي تجربتها.. وأنا مشغول بمتابعة هتافات المشجعين في مقاهي وطرقات أمريكا المنقولة بالأقمار الصناعية إلى شاشات العالم، لمن لم يحظ بمشاهدتها في ملاعب المونديال.

أول ما قابل المشجعين في شوارع ولايات أمريكا سلسلة مطاعم "وافل هاوس" (Waffle House) وشواء كارولينا، وشعار "War Eagle" الخاص بجامعة أوبورن وحفلات القوارب في ميناء بوسطن، وصلصة "الرانش" والأطعمة الملفوفة بشرائح اللحم المقدد (البيكون).. مرحباً بهم  في أمريكا.

 

تتمتع الولايات المتحدة بثقافة متنوعة للغاية، وهي أحياناً غريبة جداً ولا يمكن تفسيرها، حتى بالنسبة لبعض الأمريكيين أنفسهم. هناك الكثير من الأشياء الفريدة في الولايات الخمسين — التي تتمتع كل منها بطابعها وثقافتها الخاصة — وهي أمور يكتشفها مشجعو كرة القدم من جميع أنحاء العالم عند قدومهم إلى الولايات المتحدة، ربما للمرة الأولى، لحضور البطولة التي ضمت 48 فريقاً هذا الصيف.

وقد انتشرت على نطاق واسع قصص العديد من المشجعين ومجموعات المشجعين الذين يشاركون مغامراتهم وفخرهم بفرقهم، فضلاً عن تبادل تقاليدهم وثقافاتهم.

أقوى الفئات المدمنة لمشاهدة مباريات كرة القدم، الجمهور الاسكتلنديّ، فتعد كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية، وتعتبر جزءاً أساسياً من هويتها الوطنية، ويتسم الجمهور الاسكتلنديّ بشغف استثنائي وعاطفة قوية وتعصباً، يعكس أبعاداً تاريخية واجتماعية وثقافية. تجاه اللعبة لقد انتظروا هذه اللحظة 28 عاماً. فعندما تستهل اسكتلندا مشوارها في بطولة كأس العالم 2026 الليلة، انطلقت هتافات الجماهير من المدرجات لتعبر عن واحدة من أكثر القواعد الجماهيرية وفاءً وتفانياً في عالم كرة القدم الدولية. كانت آخر مرة تأهلت فيها اسكتلندا لكأس العالم في عام 1998، حتي إن الملك تشارلز خصص عطلة رسمية في اسكتلندا وحدها (دون بقية أنحاء المملكة المتحدة) احتفاءً بهذا الإنجاز.

تسبق سمعة "جيش الترتان" أي فريق يحلّ به. ففي البطولات الكبرى، يصل المشجعون مرتدين أزياء المرتفعات الاسكتلندية التقليدية كاملةً: التنانير الاسكتلندية، والأوشحة المخططة، وقبعات "تام أوشانتر" (قبعة أو بيريه مزينة بكرة صوفية في أعلاها). ويُعتبرون، بحسب متابعي كرة القدم، من أكثر المشجعين وداً في العالم، إذ يُعرفون بكرم ضيافتهم وخفة ظلهم واستعدادهم لمصادقة كل من يقف بجانبهم، أكثر من عدوانيتهم.

عندما وصل "جيش التارتان" (Tartan Army) الاسكتلنديّ إلى ميامي، يُذكر أن "جيش التارتان" هو الاسم الشهير لقاعدة جماهير المنتخب الاسكتلندي الضخمة التي تسافر حول العالم لدعم الفريق. ضم حيوانات إلى قاعدة مشجعيه، حيث رفعوا عالياً كلباً شهيراً من فصيلة "جولدن دودل" (Goldendoodle) يُدعى "برودي" في ملعب ميامي. قبل مباراتهم الأخيرة ضد البرازيل - التي انتهت بهزيمتهم، احتشدت جماهير اسكتلندا (المعروفة بلقب "جيش التارتان") بقوة، وكان الكلب "برودي" جزءاً من أجواء المرح.

 

كما انضمت البطة دوني الشهيرة "Donny“ إلى الاحتفالات، ثبت علم اسكتلندا على ظهرها، كما شوهدت البطة "ميرلين" وهي تتجول مع مشجعي المكسيك. وأحياناً نرى حيوانات الماعز ترتدي قميص ليونيل ميسي، وفي أحيان أخرى نرى البطة. بالفعل، وقد نشرت جريدة الجارديان دليلا مصورا لبطة ترتدي قميص ميسي. ويأتي هذا في وقت يتألق فيه المهاجم الأرجنتيني النجم.

تجولت البطة "ميرلين" وهي ترتدي زياً رياضياً خلال كأس العالم، لكن المكسيك لديها أيضاً حيوان آخر لطيف يرتدي ملابس وجاهز لأجواء كرة القدم. تعرفوا على "أوسيتو"، وهو كلب تم إنقاذه ويبلغ من العمر ثماني سنوات؛ لا يرتدي قميصاً فحسب، بل يضع نظارات شمسية صُممت لتبدو وكأنها علم المكسيك. وهو يجلس  في الجزء الخلفي من دراجة صاحبه، داخل سرير مخصص للكلاب، ويتجول معه أثناء توصيل الطلبات، كما ظهرت قصة شعر مألوفة مجدداً في المدرجات، حيث كان أحد المشجعين البرازيليين يتباهى بقصة الشعر الشهيرة التي ميزت أسطورة البرازيل "رونالدو"، الذي لا يزال واحداً من أكثر المهاجمين موهبة في تاريخ المنتخب البرازيلي، واشتهر بتلك القصة التي لا تُنسى والتي اعتمدها طوال مشواره في كأس العالم 2002.

لفت الأنظار وصول جماهير أوزبكستان بطريقة استثنائية ومبهرة؛ مما دعا المشجعين المتجهين للملعب إلى النظر مرتين للتأكد مما يرونه، حين لمحوا عشرات المشجعين يمتطون الخيول في الشوارع. ففي الفترة التي سبقت مباراة أوزبكستان ضد البرتغال، سار المشجعون عبر شوارع هيوستن ممتطين الخيول ومرتدين دروعاً كاملة؛ حيث ترمز الخيول إلى أهمية الفروسية في الثقافة الأوزبكية التقليدية.

 

وصلت جماهير النرويج لحضور المباراة الافتتاحية لفريقها ضد العراق في بوسطن، وهم يبرزون ثقافتهم "الفايكنجية" بطرق لافتة.. أو ربما بطرق فريدة فحسب. فقد قرر هؤلاء المشجعون الصعود عبر السلالم المتحركة في محطة "ساوث ستيشن" ببوسطن وهم يؤدون حركات التجديف. قد لا تكون هذه هي السفن الطويلة التي استخدمها أسلافهم لعبور شمال المحيط الأطلسي، لكنها على الأقل تضفي طابعاً لا يُنسى على تجربة استخدام وسائل النقل العام.

 

استهل منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية مشواره في كأس العالم بواحدة من أكثر نتائج البطولة تميزاً حتى الآن: التعادل بنتيجة 1-1 مع البرتغال بقيادة كريستيانو رونالدو. لكن الفريق افتقد حينها أحد أبرز مشجعيه: ميشيل نكوكا مبولادينغا، المعروف باسم "لومومبا".

يُعد لومومبا فيا واحداً من أشهر مشجعي جمهورية الكونغو الديمقراطية، وقد تحول إلى شخصية جماهيرية بارزة بفضل طقوسه المميزة في أيام المباريات؛ فهو لا يهتف ولا يحتفل، بل يظل واقفاً في وضعية الثبات التام طوال فترة المباراة.

 

يشتهر "لومومبا فيا" - واسمه الحقيقي ميشيل نكوكا مبولادينغا - بوقفته الشامخة التي يرفع فيها ذراعه عالياً أثناء مباريات منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية.

 

وتُعد هذه الوقفة تحيةً لباتريس لومومبا، أول رئيس وزراء للبلاد بعد استقلالها عن بلجيكا عام 1960. وقد تحول "لومومبا فيا" (وهو اسم يعني "لومومبا يقف") إلى ظاهرة شهيرة على الإنترنت خلال مشاركة منتخب الكونغو الديمقراطية في بطولة كأس الأمم الإفريقية في وقت سابق من عام 2026.

 

وماذا تفعل عندما تقود مصر لتحقيق أول فوز لها على الإطلاق في كأس العالم؟ تحتفل بالطبع. بعد أن أسهم في قيادة مصر لتحقيق فوز لا يُنسى بنتيجة 3-1 على نيوزيلندا، نزل المهاجم النجم "مو صلاح" إلى شوارع فانكوفر للاحتفال مع الجماهير رقص صلاح في الشوارع وشارك مشجعي مصر فرحتهم. وكان صلاح، قائد المنتخب المصرى.

 

رغم أن اليوجا ووساحة "تايمز سكوير" الشهير في نيويورك لا ينسجمان تماماً، وبالتالي ممارسة اليوجا في "تايمز سكوير" وسط آلاف من مشجعي كرة القدم النرويجيين الصاخبين، أمر غير معتاد بالمرة.

ومع ذلك تجمعت مجموعة من الأشخاص بحالة من الصفاء الذهني في "تايمز سكوير" صباح الاثنين لجلسة يوجا عند شروق الشمس، لكن سرعان ما انضم إليهم حشد هائل من مشجعي النرويج المتحمسين. بل إن العديد من المشجعين شاركوا في النشاط نفسه، وانضموا للمجموعة في أداء وضعيات اليوجا المختلفة.. وكل مونديال وأنتم طيبين.

تم نسخ الرابط