الأربعاء 14 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

"الولايات المتحدة البريطانية الفرنسية"

الولايات المتحدة
"الولايات المتحدة البريطانية الفرنسية"
كتب - مصطفى سيف

ما أوجه الشبه بين بريطانيا إبان فترة حرب العراق في 2003، والحرب على سوريا في 2018؟، وحزبي المحافظين والعمال (الحزبين الرئيسيين في بريطانيا) إبان نفس الفترتين؟ ولماذا تُصِّر بريطانيا على عدم التعلُّم من أخطاء الماضي؟

بالعودة إلى الوراء قليلًا، تحديدًا في عام 2003، كانت الأحداث تتسارع وتيرتها بشكل غير عادي، خاصة بعد ضرب مركز التجارة الأمريكي العالمي في 11 سبتمبر  2001، بريطانيا وأمريكا يريدان الخروج لحرب على العراق خاصة بعد "مزاعم" بامتلاك صدام حسين، الرئيس العراقي، آنذاك، أسلحة دمار شامل.

 

 حرب العراق

إبان فترة حرب العراق في 2003 وقف رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، من حزب العمال، في مجلس العموم البريطاني، يُوضِّح موقفه من انضمام بريطانيا إلى أمريكا مؤكدًا امتلاكها للأسلحة التي تُدمِّر العالم، لذلك فإن التدّخُل في العراق "حتمي وضروري من أجل الإنسانية".

بعد ذلك ذهب إلى الكونجرس وقال نصًا: "نحن نعرف أن العراق في عهد صدام حسين قد دعم الإرهابيين، والخطر الذي يداهمنا هو أنَّ الدول تدعم الإرهاب وتمتلك أسلحة دمار شامل، دعونا نقول شيئًا واحدًا: إذا كنا مخطئين فسنكون قد دمرنا تهديدًا يكون على الأقل مسؤولًا عن المذابج والمعاناة اللاإنسانية. وأنا واثق من أن التاريخ سيسامح".

في ذلك الوقت كان وزير الخارجية البريطاني آنذاك، روبن كوك، من حزب العمال أيضًا، إلا أنَّه كان يعارض الدخول في حرب على العراق، وقال في ذلك الوقت: "الحرب على العراق غير شرعية ولا تستند لقرار واضح من مجلس الأمن الدولي، وهذه الحرب شُنَّت ودخلت مرحلة دموية لا مبرر لها بأي حال من الأحوال".

في 17 مارس 2003، وفي الأغلب أنّ ذلك بسبب صم الآذان الذي تعامل معه توني بلير خلال الانتقادات التي وُجهِّت له، فلم يجد "كوك" أمامه مفرًا سوى أنْ يعلن استقالته، ويحفظ له التاريخ يوم وقف مرافعًا ضد الحرب على العراق بعد ساعتين فقط من تسلمه نسخة من تقرير سكوت المكون من 2000 صفحة.

وكتب كوك في كتاب نشرت مقتطفات منه صحيفة صانداي تايمز أنه عندما تحدث مع بلير قبل أسبوعين من اندلاع الحرب التى بدأت في العشرين من مارس تولد لديه انطباع أن رئيس الوزراء مصمم على دخول الحرب دون الالتفات للتقدم الذي يحرزه مفتشو الأسلحة التابعون للأمم المتحدة على الأرض.

في ذلك الوقت كان حزب المحافظين، بقيادة أيان دنكن سميث، في موقف المعارضة- عكس الموقف الآن الذي على النقيض تمامًا-  والذي انتقد تدّخُل بريطانيا في الحرب، مطالبًا "بلير" بتقديم استقالته لعدم وجود الأدلة الكافية للدخول إلى العراق عسكريًّا.

واتهم زعيم المحافظين الذي أتى بعد "سميث" مايكل هاوارد بلير بخداع مجلس الوزراء ومجلس العموم البريطاني بشأن الحرب، مشيرًا إلى أنَّ حرب العراق ستلاحق بلير طوال تاريخه، بينما اتهمت وزيرة التنمية المحلية البريطانية آنذاك، كلير شورت، أنَّ "بلير" يهمه منصبه وتاريخه أكثر من دماء الأبرياء والوضع القانوني للحرب.

بعد مرور 13 عامًا على حرب العراق وتحديدًا في 2016؛ فإن القانون البريطاني لم ولن يدين "بلير" بعد القضية التي رفعها القائد السابق للأركان العراقية في عهد "صدام" الفريق عبد الواحد شنان آل رباط، وذلك لأن القانون البريطاني لا يعتبر العدوان على دولة أخرى جريمة.

 

سوريا 2018

ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فحزب المحافظين الذي كان في موقف المعارضة، هو الآن في موقف السُلطة، وحزب العمال على النقيض تمامًا بين حرب العراق والأزمة السورية في 2018.

تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية، تواجه اليوم نفس أزمة "بلير" التي لم تتعلم من أخطاء بريطانيا السابقة، فسارت على نهج توني بلير في تبعيته للولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد هجوم زعيم حزب العمل المعارض، جيرمي كوربين، عليها متهمًا مشاركتها في الضربة الأمريكية على سوريا بـ"غير القانونية".

اتخاذ العمل الأحادي للمشاركة في ضربة ضد سوريا بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية يضع "ماي" في أزمة مع حزب العمال المعارض، بقيادة "كوربين"، الذي قال إنه كان يتعين التشاور مع البرلمان قبل أن تأمر "ماي" الطائرات البريطانية بالمشاركة في ضربات منسقة ضد سوريا.

ويرى جيرمي كوربن أن هذا يُعَّد خرقًا للاتفاقية البرلمانية التاريخية الأخيرة التي تنص على أنه يجب منح النواب التصويت على العمل العسكري من قبل المملكة المتحدة، وسيطالب زعيم حزب العمال جيرمي كوربين بالتصويت على الإجراء في نهاية "نقاش طارئ".

وكتب "كوربين" في صحيفة الجارديان "إن هجوم يوم السبت على المواقع التي يعتقد أن لها صلة بقدرة سوريا على الأسلحة الكيماوية كان خاطئا وسوء تصرف من رئيسة الوزراء"، مؤكدًا أنَّ الهجوم كان رمزيًا تمامًا وثبت أنها غير فعالة تمامًا كرادع - أو كانت مقدمة لعمل عسكري أوسع. من شأن ذلك أن يخاطر بتصعيد متهور للحرب".

إلا أنَّ "ماي" ردّت عليه قائلة: "تصرفنا وفقًا لمصلحتنا الوطنية، وهي منع المزيد من استخدام الأسلحة الكيمائية في سوريا وللحفاظ على الإجماع العالمي على أنه لا ينبغي استخدام هذه الأسلحة والدفاع عنه" مضيفة: "لا نستطيع السماح باستخدام الأسلحة الكيميائية لتصبح طبيعية سواء داخل سوريا أو في أي مكان آخر".

أدلة مضحكة

تظل "الأدلة العبثية" و"غير المنطقية" هي العنوان الأبرز لأي هجمات تشنها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ضد دولة بعينها، أو ربما اختلاق وقائع لم تكن حدثت بالفعل لتسهيل الدخول في حرب عسكرية.

وليس ببعيد كي ننساه فذلك العالم البريطاني والمفتش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق (ديفيد كايلي) الذي وُجد منتحرًا في يوليو 2003، بعد توبيخه من لجنة برلمانية بعد أن اعترف لرؤسائه أنه كان مصدرًا لمعلومات تضمنها تقرير لـBBC   يُكذِّب تقريرًا للحكومة البريطانية حول القدرات الخارقة لنظام صدام حسين.

وعلى الرغم من ذلك فتقرير لجنة التحقيق البريطانية بشأن العدوان على دولة ذات سيادة كالعراق أكَّد أنَّ قرار بريطانيا المشاركة في غزو العراق عام 2003 "ليس مرضيًا"، وأنّ "بلير" بالغ في الحجج التي ساقها للتحرك العسكري.

يبقى اعتراف "بلير" الأعظم والأهم في هذه الحلقة من سلسلة "الندم" التي يبديها الرؤساء في أمريكا وبريطانيا هو اعترافه بأنَّه بدون حرب العراق لم يكن ليوجد تنظيم "داعش" الإرهابي، فهذا الاعتراف يؤكد حقيقة بما لا يدع مجالًا للشك أنَّ بريطانيا لم تتعلم من أخطاءها بمشاركتها في الضربة ضد سوريا.

 

تم نسخ الرابط