الثلاثاء 26 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
كورونا ومعدن المصريين

كورونا ومعدن المصريين

ليس انحيازًا أن أقول إن أزمة وباء كورونا، كشفت عن المعدن الأصيل للشعب المصرى، وعن القدرات الكامنة للدولة المصرية التي تميزها عن أى دولة أخرى، ولكنه الواقع الذي يؤكد هذه الحقيقة ويرسخها ويصقلها ويجعلها أكثر وضوحًا ولمعانًا وبهاء، فى كل مرة أجد نفسى مبهورًا بهذه الدولة التي تأتى عليها الأحداث والمحن، لتؤكد أنها دولة ذات طبيعة خاصة وقدرات خاصة، تخرج من كل أزمة ومن كل محنة أكبر مما كانت عليه، فى كل مرة ومع كل محنة يراهن البعض أو الجميع على السقوط المدوى للدولة المصرية، ثم تخرج أكبر وأقوى وأكثر تماسكًا مما كانت عليه، وشعب هو الآخر يؤكد أنه ذو طبيعة خاصة، قد تختلف عن كل شعوب العالم، شعب يتحدى المستحيل يصنع من المحنة محنة ومن الأزمة نقطة انطلاق ومن الفشل نجاح ومن اليأس أمل.



 

 

ليس من قبيل الشعر ولا الغناء هذه الشهادة، وهذه الإشادة بالروح وبالشخصية المصرية وبالدولة المصرية، وإن كانا الشعر والغناء أحد الملامح الرئيسية التي تميز الروح المصرية والشخصية المصرية عن غيرها، وتميز المشهد المصرى عبر سنوات طويلة من العمل والمقاومة والألم والإبداع والتفوق والنبوغ، ولكنه الواقع وما تحقق على أرض مصر على مدار السنين، والذي يبقى شاهدًا أعظم على نبوغ وعبقرية الشخصية المصرية  فى كل المجالات فى السياسة والعسكرية والبناء والطب والهندسة والعلم بكل فروعه وتطبيقاته، كما هو فى الإبداع والأدب والفنون جميعها من الشعر إلى الموسيقى، ومن الرسم إلى الغناء ومن النحت إلى التمثيل. 

 

 

المحن تجعل من مصر دولة أكثر قدرة على التحدى وأكثر قدرة على الاستمرار، سمات ومزايا وقدرات خاصة وهبها الله للمصريين لهذا الشعب تظهر جلية واضحة فى المحن والأزمات، هى من تحرك السلوك المصرى وتوجهه، فمصر هى من قال عنها وبحقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما معناه: "إذا دخلتم مصر فاتخذوا من أهلها جندًا كثيفًا فهم خير أجناد الأرض"، القضية التي يتمحور حولها الحديث هنا هى حقيقة وجوهر هذا المعدن الأصيل لهذا الشعب الذي يجعل من جنده خير أجناد الأرض ويصنع من هذا الشعب ماردًا عملاقًا قادرًا على التحدى، ويخرج من هذه الدولة كل هذه القدرة وهذا الرسوخ والاستقرار عبر كل هذه السنوات رغم المحن والأزمات والكوارث.

 

 

أطاحت أزمة وباء كورونا بالعديد من دول العالم المتقدم من الصين إلى فرنسا ومن كوريا إلى أمريكا ومن تركيا إلى بريطانيا ومن إيطاليا إلى  أسبانيا ومن إيران إلى ألمانيا، ضربت بقيم العالم المتحضر وحضارته ونظمه السياسية والاقتصادية والصحية والطبية وأخلاقه ومثله، سار البعض يسرق الأدوات والمعدات الطبية، يستولون عليها فى مشهد عبثى وغير أخلاقى، كما يسعون للحصول على الأطباء والعلماء والاختراعات العلمية بأى ثمن، ضربت الأزمة أوصال التكتل الواحد الذي ظل مثالًا يتباهى به الجميع كونه نموذجًا للوحدة فى أسمى معانيها وصورها، ثم أصبح مثالًا على الأنانية والتقوقع والتشرذم، أصبح الاتحاد الأوروبى قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.  

 

 

تأتى أزمة كورونا على مصر، فإذا بها أقوى وأكثر ثباتًا ورسوخًا، وأكثر قدرة على التحدى والإصرار رغم الشائعات والتشكيك والترصد، وفى وقت كان البعض  يتوقع لها عكس ذلك، كان البعض أو الكثيرون يتوقعون لها كارثة لا تبقى ولا تذر.

 

 

وتصريحات السفير الفرنسى بالقاهرة ـ والفيديو موجود على اليوتيوب ـ خير دليل وخير مثال فهو من قال: "إن مصر ستعزل عن بقية دول العالم وستكون الأوضاع صعبة جدًا"، ثم تمر الأيام وتتوالى أحداث كورونا، لتصبح فرنسا هى الأقرب أن تعزل عن العالم كله بإصابات تقارب المائة ألف وحوالى 9 آلاف متوفى حتى كتابة هذه السطور الثلاثاء 7 إبريل .

 

 

 أزمة كورونا كغيرها من الأزمات النى مرت على مصر وخرجت منها أكثر قوة وأكثر تماسكًا وانتصارًا، والمثال القريب ثورة 25 يناير 2011 وما شهدته من أحداث وقلاقل وفوضى، كانت كفيلة بإسقاط الدولة كما سقطت دول عديدة، ثم ما كان من محنة الإرهاب الأسود لاسيما بعد أن غير الشعب المصرى مساره، وكانت ثورة 30 يونيو 2013، فكان ما كان من إرهاب الإخوان ومن على دربها من جماعات البغى والضلال، وهى المحنة التي أظهرت قدرات مصر وطاقاتها الكامنة وما يتمتع به المقاتل المصرى من روح وحرفية، لم تخرج دولة واحدة من الدول التي شهدت أحداث ما يطلق عليه الربيع العربى أكثر تماسكًا وأكثر قدرة وقوة وأكثر انفتاحًا على العالم وعلى المستقبل وأكثر رغبة فى الانطلاق بهذا الكم من المشروعات القومية العملاقة إلا مصر، والتاريخ كله من قديمه إلى حديثه خير شاهد على هذه الحقيقة التي تتجلى فى مصر وحدها.

 

 

فى دولة، يؤكد رئيسها منذ البداية أن الهم الأول للدولة هو سلامة المصريين ولا اعتبارات لأى خسائر مالية، ويصدر العديد من القرارت من تخصيص مبلغ الـ100 مليار جنيه إلى دعم المتضررين والعمالة المؤقته بمبلغ 1500 جنيه على ثلاثة أشهر وإسقاط الضرائب عن المنشآت السياحية وتأجيل دفع ماعليها من مستحقات، فى دولة يمد رئيسها يد العون لدول ضربها وباء كورونا بقسوة، فكلف وزيرة الصحة بالسفر إلى دولة الصين ثم إلى إيطاليا حاملة المساعدات الطبية رغم الأزمة ورغم الخطر، دولة تعلى من قيم الإيخاء والإنسانية وتضرب للعالم أروع الأمثلة، لاسيما وأن الآخرين مارسوا البلطجة واستولوا على المساعدات عنوة، فى دولة ينشط فيها المجتمع المدنى وتتسابق الجمعيات الخيرية على تقديم الدعم والمساندة، وتضرب أوساط وفئات خير الأمثلة على التضامن والتكافل، وكان البعض يعتبرها مثالًا على الأنانية وحب الذات فتجدها مثالا للتضحية والفداء والتعاون, عندما يستجيب الرياضيون والفنانون لمبادرة إحدى الجمعيات الخيرية ويقومون بالتبرع لمساعدة المتضررين من أزمة وباء كورونا من العمالة المؤقتة، واتحاد بنوك يقدم مبادرة غير مسبوقة فى تاريخه بتقديم تبرعات مالية ضخمة للدولة لمساعدتها على تخطى الأزمة وتقديم الدعم والمعونة للمتضريين، فى دولة يستمر فيها العمل فى جميع المشروعات القومية دون أى تأجيل ودون أدنى توقف رغم الأزمة ورغم الخسائر الباهظة لاسيما فى قطاعى السياحة والطيران، ورغم ذلك يتواصل العمل بنفس الروح ونفس الهمة دون كلل أو ملل أو إحباط .

 

 

إنها مصر ياسادة التي كانت ومازالت وستستمر بعون الله دولة كبيرة عصية على السقوط أو الانهيار أكبر من الأزمات والمحن .