الخميس 4 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

الاختيار قصة الوفاء والخيانة

هناك دائما لحظات فارقة تمر على الإنسان- وتمر على الشعوب أيضا- تكون لحظات وجودية يجب عليه أن يختار، وهنا يكون اختياره هو ما سيحدد نهايته ومصيره وأيضا دوره في لحظة استثنائية في عمر وطنه، وفى هذا السياق جاء مسلسل الاختيار بطولة الفنان أمير كرارة الذي يجسد دور أسطورة الشهداء العقيد أحمد منسي والفنان أحمد العوضي الذي يلعب دور الإرهابي هشام عشماوي وإخراج بيتر ميمي وتأليف باهر دويدار.



 

وهنا ندرك دور الفن في تعميق الوعي الجمعي ودور الدراما في تجسيد وتكثيف معنى معين في ذهن المشاهد حتى يصبح جزءا من فكره وعقله الواعي واللاواعي أيضا، فالدراما والصور هي ذاكرة يمكن استعادتها واسترجاعها كما أنها تثبت الزمن وتعيد إنتاج المعنى في لحظة إنسانية معينة. والمسلسل من إنتاج وزارة الدفاع المصرية لتجسيد بطولات أبناءها من الضباط والجنود في مواجهة الإرهاب، هؤلاء الأبطال التي تضحى بحياتها من أجل أن ننعم نحن بالأمن والأمان.

 

وخصوصا بعد توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن يكون هناك المزيد من هذه النوعية من الأعمال الفنية والدرامية حتى نحافظ على وعي وانتماء الأجيال الشابة والقادمة، وقد حظي المسلسل بأعلى نسبة مشاهدة في مصر والعالم العربي وهو ما يبين مدى نجاحه ومدى تعطش الناس لمثل هذه النوعية الجيدة من الدراما، وتسقط تماما فكرة أن الجمهور يريد أشياء رديئة، وهذا غير صحيح بالمرة وينم عن عدم وعي وعدم فهم دور الفنون والدراما وما يمكن أن تفعله في تعميق وتنمية وعي المشاهد ليكون في صفوف المواجهة الأولى.

 

كما كان هناك فيلم [الاختيار] للراحل العظيم يوسف شاهين الذي صنعه في بداية السبعينات– وبعد نكسة 1967- حيث كان المجتمع المصري كله وربما العالم العربي أيضا في مفترق طرق وعليه أن يختار.. إما الاستسلام للهزيمة وانتظار النهاية والمصير المحتوم أو القيام والنهوض ومقاومة خفافيش الظلام في الداخل والخارج.

 

 

تحول نوعي

وهذا المسلسل هو ثاني إنتاج تساهم فيه مؤسسات الدولة المصرية بعد فيلم [الممر] للفنان أحمد عز والمخرج شريف عرفة، وهو توجه جيد ومحمود بل ومطلوب أيضا أن تنتج أفلام ومسلسلات درامية لتجسيد بعض تضحيات وبطولات للجنود المجهولين الذين يعملون في صمت ويموتون أيضا في صمت من اجل هذا البلد.

 

وربما لا يعرف البعض أن هذا التوجه منتشر ومعروف في معظم دول العالم، حيث تصنع هوليود سنويا عشرات الأفلام التي تنتجها وتشرف عليها بشكل مباشر وزارة الدفاع الأمريكية [البنتاجون] بل إنها تعلن على موقعها عن أي شخص لدية سيناريو أو قصة جيدة تظهر بطولات الجيش الأمريكي أن يرسلها إليهم، وتستعين بالطبع بنجوم هوليود الكبار لبطولة هذه الأفلام مثل توم كروز، مثل فيلم Top Gun على سبيل المثال. وكذلك يحدث في فرنسا وبريطانيا والهند وغيرهم.

 

كما حدث تحول نوعي– ربما لم يلاحظه الكثيرون– أنه ولأول مرة تسمح الرقابة بذكر أسماء مرجعيات دينية وتاريخية كبيرة على أنها مصدر الفكر التكفيري مثل [ابن تيمية] الذي تلقبه السلفية الجهادية بلقب شيخ الإسلام– وذكر ذلك في حوار على لسان أبو عبد الله رئيس تنظيم أنصار بيت المقدس- في حين يراه كل المحللون والمتخصصون في دراسة الفكر التكفيري والجماعات المتطرفة أنه من أهم وأول المرجعيات الفقهية لهذا التيار المتطرف، وهذ في تقديري تحول نوعي غير مسبوق في الدراما المصرية أن نسمى الأشياء بمسمياتها ونضع يدنا على مصدر الداء الأساسي.

 

دراما وثائقية

وقد كان قرارا حكيما واختيارا جيدا من صناع المسلسل عندما عرضوا بعض المشاهد الوثائقية الحية لمعظم الأحداث النوعية ولمعظم الشخصيات التي يحكي عنها المسلسل سواء من جانب الجيش والشرطة أو من جانب التكفيريين، في محاولة منهم لصنع حالة من الدراما التوثيقية الجادة والحقيقية تعمل على اقتناع المشاهد بما يراه وتساعد على أن يصل لحالة من الفهم والتصديق لأحداث المسلسل وما يقوم به التكفيريون من فظائع وأهوال أحيانا لا يصدقها العقل البشرى العادي من شدة إجرامها وغرابتها، لكن الواقع أحيانا يكون أشد قسوة وغرابة من المسلسلات والأفلام.

 

لأن البعض حاول– ولا يزال يحاول– أن يوهم الناس أن ما يروه في المسلسل هو مجرد دراما وخيال مؤلف ورؤية مخرج لكن عرض المشاهد الحية والحقيقية لكل حدث يقطع الطريق عليهم وينهي الجدال العبثي، مثل لحظة القبض على هشام عشماوي في ليبيا وترحيله إلى مصر في مهمة خاصة بصحبة رئيس المخابرات المصرية بنفسه اللواء عباس كامل، ومشهد اعترافه بمحاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم وكذا تفجير مديرية الأمن بالدقهلية.. الخ.

 

والحقيقة الواضحة أن هذا المسلسل أريد له النجاح وأن يكون وثيقة تاريخية دالة وكاشفة للأجيال الحالية والقادمة على همجية الإرهاب ووحشية الإرهابيين، لذلك تم توفير كل الإمكانيات المادية والتجهيزات اللوجستية من أسلحة ودبابات ومدرعات وطائرات.. الخ حتى يشعر المشاهد ويعيش الأحداث كأنه جزءا منها، ويشعر بحجم الضغط والمعاناة التي عاناها ولا يزال القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية ونحن نعيش في بيوتنا نلعب ونلهو وننشر بوستات على فيس بوك.

 

أسطورة المنسي

"قالوا إيه علينا دولا وقالوا إيه...

منسي بقى اسمه الأسطورة.. من أسوان للمعمورة..."

 

هذا ما جاء في مقدمة الأداء الصوتي للصاعقة المصرية الذي تحول بعد ذلك إلى أغنية حماسية للشعب المصري كله حيث أصبح اسم الشهيد العقيد أحمد المنسي هو أيقونة الشهداء والرمز المتجسد لمعنى البطولة والتضحية وحب الوطن، حتى إن أقرانه وزملاءه أصبحوا يقولون لبعضهم البعض.." يتعيش حر.. يتموت منسي" أي يجب أن تعيش حرا رافعا رأسك أو تموت بطلا مثل أحمد المنسي، ورغم أن المسلسل عنوانه هو الشهيد أحمد المنسي إلا أنه يجسد وتضحيات كبرى لشهداء آخرين أصبح الناس يعرفونهم بالاسم ويعلمونهم لأولادهم مثل خالد المغربي الملقب بالدبابة والعسكري على علي الذي احتضن الانتحاري وتفجرا معا حتى يحمي زملاءه... الخ

 

وكان هناك فيلم لفنان عادل حمل عنوان [المنسي] وربما يكون هذا أحد الأسباب في عدم تسمية المسلسل بهذا الاسم، كما كانت من الأفكار الجيدة أيضا والتي أدت إلى نجاح المسلسل ومنحه المزيد من الزخم هي فكرة الاستعانة بنجوم الدراما للقيام بأدوار بعض الشهداء، حتى يتذكرهم المشاهد ويعرف أسماءهم واحد بعد الآخر، وهو ما بحسب أيضا لهؤلاء النجوم الذي ربما لم يظهر معظمهم إلا في مشهد واحد في حلقة واحدة، مثل الفنان عمرو سعد وآسر ياسين والفنان محمد إمام الذي ربما يكون قد لعب أفضل أدواره على الإطلاق ونال تعاطف واستحسان جموع الشعب المصري، واستطاع بهذا المشهد أن يقنع الكثيرون الذين لم يكونوا مقتنعين بأنه ممثل جيد. وهو اختيار جيد أيضا من هؤلاء النجوم حتى لا يفوتهم أن يكونوا جزءا من هذه الملحمة الوطنية.

 

طوبى لمن اختار الوطن واختار المحبة والتسامح

وسوف تلاحق اللعنة دائما كل من خان وباع وأسال الدماء البريئة الطاهرة

علموا أولادكم أن الوطن هو الأغلى والأبقى