نظم عشرات الصحفيين وقفة احتجاجية أمام نقابة الصحفيين أمس اعتراضا على قانون تنظيم التظاهر، مرددين هتافات مناهضة للقوات المسلحة ووزارة الداخلية.
كانت هذه السطور هى الجزء الأخير من تقرير نشرته الزميلة «الشروق» يوم الجمعة الماضى كتبه الزملاء «عاطف محمود وليلى عبدالباسط وعلى كمال» فى النصف الثانى من الصفحة الأولى.
صدمنى محتوى الخبر وأزعجنى - لو صح - لأكثر من سبب وكلها أسباب مهنية، أى تتعلق بمهنة وحرفة وصنعة «الصحافة».
إن وظيفة الصحفى - هكذا أفهمها وكما تعلمتها من أساتذتنا الكبار - أن يبحث عن الحقيقة والمعلومات حول القضية - وهو هنا قانون تنظيم التظاهر - ثم يكتب حصيلة ذلك كله فى مقال أو تحقيق قصير أو طويل.
إن كل صحفى من هؤلاء الذين تظاهروا يملك حق التعبير عن رأيه ووجهة نظره فى الصحيفة أو المجلة أو حتى الموقع الإليكترونى الذى يعمل به!!
وجاء فى الخبر أنهم - أى عشرات الصحفيين - رددوا هتافات مناهضة للقوات المسلحة ووزارة الداخلية - ولو صح هذا الكلام - فما هى علاقة القوات المسلحة بهذا القانون - وإذا كان هناك علاقة - على افتراض يعنى - أما كان الأجدر بزميل أو زميلة من هؤلاء الذين تظاهروا أن يقوم بإعداد تحقيق موثق أو استقصائى عن هذا الاكتشاف وإفادة ملايين أو عشرات القراء ممن يقرأون لهم!!
ثم ما علاقة وزارة الداخلية، فهذا قانون أصدرته الحكومة ووزارة الداخلية هى جهة تنفيذه، بالضبط مثلما يكلف رئيس التحرير بكتابة موضوع أو تحقيق فيقوم الزميل أو الزميلة بكتابته!!
كنت أفهم وأتفهم أن يرفض زميل أو زميلة هذا القانون ويلعن بنوده ومواده، ولكن بعد أن يقارنه بالقوانين المماثلة فى العالم!
لقد رأينا كيف تم فض مظاهرات لندن وميدان تقسيم بتركيا ومظاهرات وول ستريت بأمريكا بكل القسوة والعنف، ولم يكن من بين متظاهريها من يحمل السلاح الأبيض أو المولوتوف أو الشماريخ!!
وهناك مثل شعبى يقول «أنت حر ما لم تضر»!!
فإذا سارت مظاهرة فى طلعت حرب أو أمام مجلس الشورى وكان عدد أفرادها لايتجاوز المئات أو حتى الآلاف، وتضرر سكان هذه المناطق والشوارع من المظاهرة وهم بعشرات الآلاف، فالمعنى هنا أن الأغلبية ترفض المظاهرة!! ولو كان الناس فى هذه المناطق يصدق «نبل» و«صدق» هذه المظاهرات لانضموا إليها كما حدث فى 52 يناير و03 يونيو، لقد كانت المظاهرات تنادى «يا أهالينا انضموا لينا» فيسارع الأهالى إلى الانضمام إليها.
لقد كانت مظاهرات نبيلة من أجل هدف نبيل!
ما أسهل أن تكون بطلا هذه الأيام، ليست البطولة أمام عدو حقيقى، بل بطولة شعارات وكلام ونفاق، وعندما يصدر أحد أحزاب بير السلم بيانا ثوريا يندد فيه باسم الشعب أن القانون عودة للدولة القمعية!! أن هذا الحزب ورئيسه لا يعرفه ولم يسمع به أو باسمه إلى أصحابه وربما بعض أقاربه!!
الكل الآن يتحدث باسم الشعب، الشعب يريد، والشعب عايز، والشعب يطلب، ولو قامت جهة محايدة بإعداد أو تعداد لهذه الأحزاب والحركات والائتلافات التى تحتكر الوطنية والثورية والثورجية لما زادت على عشرة آلاف أو حتى خمسين ألف ناشط!!
كفاية ضحك على الشعب باسم الشعب!!
كفاية ضحك على الثورة باسم الثورة!!
كفاية نصب على الشهداء باسم الشهداء.
كفاية نفاق لكل واحد زار ميدان التحرير فوجد نفسه ثوريا ولا «عرابى» فى زمانه، أو سعد زغلول فى عز مجده، أو «جمال عبدالناصر» لحظة تأميم قناة السويس.
كفاية نفاق وموالسة «وتدليل» لطالب يحرق مدرجه، وطالبة تشتم أستاذها، وعامل يخرب مصنعه، ومراهق يحرق علم بلاده، وحركة تدعو لهدم الجيش والشرطة، وناس تعتدى على محكمة، وأهالى يقتحمون مستشفى أو قسم شرطة!
التظاهر ليس الثورة وليس الدولة، كما أن التحرش بالبنات المتظاهرات ليس تطبيقا للقانون!!
روح القانون لا النصوص وحدها، ويبقى القانون هو الحل، لا أقصد قانون تنظيم التظاهر، بل «القانون» بكل أشكاله وصوره، القانون فوق الجميع، قانون الدولة، لا قانون فئة، قانون الأمة لا قانون الجماعة!!