الإثنين 22 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في فجر يومٍ امتزج فيه السهر بالتوتر، ومع فوز منتخب مصر على نيوزيلندا بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد في كأس العالم، لم يكن ما حدث مجرد نتيجة في مباراة عابرة، بل لحظة كشفت معنى أعمق بكثير من حدود المستطيل الأخضر.

ملايين المصريين ظلوا مستيقظين حتى الساعات الأولى من الصباح، ورغم أن الشوط الأول بدا محبطًا ومخيبًا للآمال، والأعصاب كانت مشدودة، لكن أحدًا لم يقرر الانصراف أو إغلاق الشاشة، كان هناك إصرار هادئ على البقاء حتى النهاية، وكأن الأمل ما زال يحتفظ بفرصته في الشوط الثاني.


ومع كل دقيقة تمر، ظل الأمل حاضرًا، بين دعاء وتشجيع وتوتر، حتى جاءت لحظة التحول، ومع صافرة النهاية، لم يكن الفرح مجرد فرحة بثلاثة أهداف، بل شعور أعمق بأن اسم مصر حاضر في بطولة كبرى، وأن هناك لحظة تستحق أن تُحفظ في الذاكرة.

 

لكن المشهد لم يتوقف عند هذا الحد، إذ ذهب كثيرون إلى أعمالهم رغم قلة النوم، بملامح مرهقة لكن بطاقة مختلفة، وكأن الفوز لم يكن في الملعب فقط، بل امتد ليعيد شحن الشعور بالانتماء نفسه، وهنا تحديدًا يظهر الانتماء في أبسط صوره.. أن يمنحك وطنك لحظة فخر، فتبدأ يومك رغم التعب وأنت أكثر قدرة على الاحتمال.

 

لكن حين ننتقل إلى زاوية أخرى من المشهد، يظهر اختلاف الأجيال بوضوح.. بالنسبة لجيل الثمانينيات والتسعينيات، لم تكن هذه اللحظات مجرد حدث رياضي وحسب، بل جزءًا من تعريف الوطن نفسه، فالفوز، حتى في مباراة واحدة، ينظر إليه كإنجاز يستحق الاحتفاء، لأن القيمة لم تكن فقط في المباراة، بل في وجود مصر على الساحة، وفي قدرتها على تقديم أداء مشرف أمام العالم، حتى لو لم تصل إلى النهائي أو نصف النهائي.

 

الانتماء عند هذا الجيل يرتبط بالرموز، كالعلم، الأغاني الوطنية، وصوت "يا حبيبتي يا مصر" الذي شكل وجدان أجيال كاملة، وجعل من اللحظات الجماعية مصدرًا للهوية والانتماء.

 

أما عند جيل زد، فالصورة أكثر تعقيدًا، لأنه جيل نشأ في عالم مفتوح بلا حدود، يتلقى المقارنات والنتائج بشكل لحظي، ويعيد قراءة الأحداث بمنطق مختلف، بالنسبة لكثيرين منهم، لا يكفي الفوز في مباراة واحدة لصناعة معنى كامل للإنجاز، بل ينظر إلى الصورة النهائية، أين سنصل؟ وماذا بعد ذلك؟ وما جدوى كل ذلك طالما أن المنتخب سيخرج من المونديال في مرحلة لاحقة؟

 

وهنا لا يتعلق الأمر بغياب الانتماء، بقدر ما يتعلق بتغير طريقته، فالانتماء لم يعد قائمًا على الاحتفال باللحظة فقط، بل على تحليلها وقياس أثرها وجدواها.

 

وتشير دراسات في علم الاجتماع إلى أن الأجيال التي نشأت في بيئة رقمية مفتوحة تميل إلى التفكير النقدي وإعادة تعريف الهوية والانتماء خارج الإطار التقليدي القائم على الرموز وحدها، لصالح معايير أكثر ارتباطًا بالنتائج، والفاعلية، والاستمرارية، ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل تغير الانتماء فعلًا؟

 

الواقع أن الانتماء لم يختفِ، لكنه لم يعد يمارس بالشكل نفسه، نعم قد يختلف جيل زد في طريقة التعبير عنه، وقد يبدو أكثر واقعية في تقييمه للنتائج، لكنه في لحظات كثيرة يظهر بصورة أخرى، في المتابعة، في النقاش، في النقد، وفي الاهتمام بما يحدث باسم بلده، حتى لو اختلفت طريقة التعبير.

 

الانتماء لم يعد صوتًا واحدًا أو شكلًا واحدًا، بل صار له وجوه متعددة، وجه يحتفل باللحظة، ووجه يبحث عن النتيجة، ووجه يحاول أن يفهم المعنى الأعمق لما يحدث.

 

وبين جيل كان يرى الانتماء في الهتاف والأغاني الوطنية والخروج إلى الشارع للاحتفال، وجيل يراه في التحليل والمقارنة وإعادة التعريف، تبقى الحقيقة ثابتة، وهي أن الانتماء لم ينتهِ، لكن تغير شكله فقط.

تم نسخ الرابط