الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يشهد الشرق الأوسط مرحلة دقيقة من التحولات الاستراتيجية المتسارعة، تتداخل فيها التحديات الأمنية التقليدية مع متغيرات إقليمية ودولية غير مسبوقة.

 

وبينما تتواصل الأزمات والصراعات وتتعاظم المخاوف المرتبطة بانتشار الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، يبرز سؤال جوهري يتعلق بمستقبل الأمن الإقليمي وكيفية الانتقال من إدارة الأزمات المتلاحقة إلى بناء نظام أمني أكثر استقرارًا واستدامة.

 

في هذا السياق، لم يعد إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وسائر أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط مجرد هدف من أهداف نزع السلاح أو بندًا متكررًا على أجندة المؤتمرات الدولية، بل أصبح المدخل الأكثر واقعية لإعادة بناء منظومة الأمن الإقليمي على أسس جديدة تقوم على الشمولية والمساواة والأمن المتبادل وعدم التمييز.

 

وقد أظهرت التطورات الأخيرة أهمية هذا التوجه. فمن ناحية، كشف فشل مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي لعام 2026 عن استمرار التحديات التي تواجه نظام منع الانتشار، وعن محدودية المقاربات التقليدية في معالجة القضايا الأمنية المعقدة التي تشهدها المنطقة.

ومن ناحية أخرى، أكدت التفاهمات الأمريكية–الإيرانية الأخيرة أن الدبلوماسية والحوار وآليات التحقق الدولية لا تزال قادرة على تحقيق تقدم في الملفات الأكثر حساسية وتعقيدًا.

 

ورغم أهمية هذه التفاهمات وما تضمنته من مؤشرات إيجابية تتعلق بإعادة تفعيل قنوات الحوار، وتعزيز دور آليات التحقق الدولية، واتخاذ خطوات لبناء الثقة وخفض التصعيد، فإنها تظل بطبيعتها معالجة جزئية تركز على ملف محدد.

أما التحدي الحقيقي فيتمثل في بناء إطار أمني إقليمي شامل يعالج مختلف مصادر التوتر وعدم الاستقرار بصورة متوازنة ومستدامة.

 

ومن هنا تبرز أهمية الاستفادة من بعض الدروس التي تقدمها هذه التفاهمات. فالحوار السياسي، وإجراءات بناء الثقة، والشفافية، والرقابة الدولية، والالتزام بالتسوية السلمية للنزاعات، كلها عناصر يمكن أن تشكل أسسًا ضرورية لأي عملية مستقبلية تستهدف إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وسائر أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.

 

إن الفكرة الأساسية لا تتمثل في معالجة ملف نووي بعينه، وإنما في بناء بيئة أمنية جديدة تتجاوز منطق الاستثناءات والاختلالات الاستراتيجية، وتؤسس لنظام يقوم على التزامات متبادلة ومتساوية بين جميع الأطراف. فالأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق بصورة دائمة إذا ظل قائمًا على ترتيبات جزئية أو معالجات انتقائية.

 

وفي هذا الإطار، تكتسب الرؤية المصرية أهمية خاصة ومتجددة. فمنذ عقود طويلة، تبنت مصر نهجًا استراتيجيًا يقوم على الربط بين نزع السلاح والأمن الإقليمي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الاستقرار الحقيقي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ترتيبات شاملة تشمل جميع دول المنطقة دون استثناء.

 

ولم تقتصر مساهمة مصر على طرح الفكرة والدفاع عنها دبلوماسيًا، بل لعبت دورًا محوريًا في إبقائها حية على الأجندة الدولية، وفي الدفع نحو تطويرها باعتبارها مشروعًا متكاملًا للأمن الجماعي الإقليمي. واليوم، تبدو هذه الرؤية أكثر راهنية من أي وقت مضى في ضوء التحولات الجارية والتحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة.

 

كما أن الدبلوماسية المصرية تمتلك من الخبرة والمصداقية والعلاقات المتوازنة ما يؤهلها للقيام بدور ريادي في إطلاق مسار تفاوضي جديد نحو المنطقة الخالية. فمصر تتمتع بتاريخ طويل من العمل في قضايا نزع السلاح ومنع الانتشار، كما تحظى بمكانة خاصة تسمح لها بالتواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بهذا الملف.

 

ويكتسب هذا الدور أهمية إضافية في ضوء الحاجة إلى مقاربة شاملة لا تستثني أي طرف رئيسي من أطراف المعادلة الإقليمية. فنجاح مشروع المنطقة الخالية يتطلب مشاركة جميع دول المنطقة، بما في ذلك الدول العربية وإيران وتركيا وإسرائيل، في إطار يقوم على المساواة في الحقوق والالتزامات والضمانات الأمنية.

 

إن إشراك جميع الأطراف في عملية تفاوضية واحدة من شأنه أن يساهم في تقليص فجوات الثقة، والحد من المخاوف المتبادلة، وتعزيز فرص بناء منظومة أمنية أكثر استقرارًا. كما أن المكاسب المتوقعة من هذا المسار لن تقتصر على ملف منع الانتشار، بل ستمتد إلى تعزيز أمن الخليج العربي والمشرق العربي وشرق المتوسط والشرق الأوسط بأسره.

 

وفي هذا السياق، تظل الأمم المتحدة المظلة الطبيعية والشرعية لرعاية هذا المسار. فالمنظمة الدولية تمتلك الشرعية القانونية والخبرة المؤسسية اللازمة لإدارة عملية تفاوضية طويلة ومعقدة، كما أنها توفر إطارًا جامعًا يسمح بمشاركة جميع الأطراف على قدم المساواة.

 

إلى جانب ذلك، يمكن للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الاضطلاع بدور مهم في دعم هذا المسار من خلال توفير الضمانات السياسية والفنية اللازمة، والمساهمة في بناء الثقة بين الأطراف المختلفة، وتشجيع الانتقال من التفاهمات الجزئية إلى مقاربة إقليمية أكثر شمولًا واستدامة.

 

إن الأمن في الشرق الأوسط أصبح أكثر ترابطًا من أي وقت مضى. فما يحدث في الخليج ينعكس على المشرق العربي، وما يجري في شرق المتوسط يؤثر على مجمل التوازنات الإقليمية. ومن ثم، فإن معالجة التحديات الأمنية بصورة مجزأة لم تعد كافية لمواجهة المخاطر المشتركة التي تواجه المنطقة.

 

ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وسائر أسلحة الدمار الشامل لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشروعًا لنزع السلاح فقط، بل باعتباره مشروعًا لإعادة بناء الثقة وإرساء قواعد الأمن الجماعي وفتح آفاق جديدة للتعاون والاستقرار والتنمية.

 

لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء النظام، ومن معالجة الملفات المنفردة إلى تأسيس إطار أمني إقليمي شامل. وفي هذا السياق، فإن بدء مسار إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وسائر أسلحة الدمار الشامل، تحت مظلة الأمم المتحدة، وبدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبقيادة دبلوماسية إقليمية فاعلة تتصدرها مصر، وبمشاركة جميع دول المنطقة دون استثناء، لم يعد خيارًا سياسيًا مؤجلًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.

 

إن التحدي الحقيقي لم يعد في إثبات الحاجة إلى هذه المنطقة، وإنما في الشروع في بناء المسار السياسي والتفاوضي والمؤسسي القادر على تحويلها من فكرة مطروحة منذ عقود إلى واقع استراتيجي جديد يعزز الأمن الجماعي ويؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لشعوب المنطقة كافة.

 

تم نسخ الرابط