الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل
ليس عندى حواديت أو أسرار لم تنشر عن «شاعر الأمة» و«الشعب» عمنا الكبير أحمد فؤاد نجم!
 
وما أكثر المرات التى «رأيت» - ولا أقول قابلت وحاورت وقلت له وقال لى- عم «نجم» فى مجلة «صباح الخير» عندما كان يأتى لزيارة أصدقائه من رسامين وشعراء وعلى رأسهم «عبقرى الكاريكاتير» حجازى، أو الشاعر المبدع فؤاد قاعود الذى يسميه «نجم» «واحد من أنجب وأشعر ولاد بيرم العظيم إسكندرانى زى أبوه»، أما «حجازى» فيقول عنه: «اللى علمنى أبقى بنى آدم قبل ما أبقى شاعر هو الصامت الأعظم حجازى الرسام».
 
وفى كل زيارة له كان «الشعر» و«القصائد» هى بطل ونجم «القعدة والزيارة»، وعندما يسعدك الحظ وأنت فى بداية مشوارك بالجلوس وسط هذه الكوكبة الأدبية والفكرية التى كانت بمثابة «ضمير» مصر، لا يسعك إلا الصمت والاستماع لهذه المناقشات البديعة التى يندر أن تتكرر.
 
وكنت قد بدأت الغرام بظاهرة «نجم والشيخ إمام» فى سنوات الدراسة الجامعية «من خريف 1973 حتى صيف 1977» حيث نذهب لكل مكان داخل كليات جامعة القاهرة سيغنى فيه الشيخ إمام قصائد وأشعار «نجم» ثم تختفى أخبارهما وظهورهما باعتقالات وسجون ثم إفراج.
 
حدث ذلك أيام الرئيس جمال عبدالناصر الذى كان يقول عنهما: «الجماعة دول مش حيخرجوا من السجن طول ما أنا عايش!» أما الرئيس الراحل أنور السادات فكان يصف «نجم» بالشاعر البذىء!
 
ولقد أسعدنى أن يهدينى «عم نجم» ديوانه «حكايات القصائد» الجزء الأول الذى صدر عام 2002 «دار نشر زينب» مع إهداء رقيق بخط جميل يقول فيه: الأستاذ رشاد كامل مع حبى وتقديرى «نجم» 28/10/2002 القاهرة.
 
كان كل ما يعرفه عنى «عم نجم» أننى محترف قراءة، ولست ناقدا أو أديبا أو شاعرا.
 
فى مقدمة هذا الديوان الرائع كشف أبوالنجوم عن حكايته مع الشعر فقال: «يااااه.. أربعين سنة شعر! وتروح أيام وتيجى أيام وتموت ناس وتعيش ناس، وتقوم دول وتزول دول، وتتشقلب أحوال، وتتغير أقوال، وتصعد عروش وتسقط عروش، والشعر هو لسه باقى زى اختلاف الليل والنهار، وتتابع الشمس والقمر، أربعين سنة من الفرح والدهشة والقهر والصمود والإبداع فى غياهب السجون والمعتقلات:
 
فى كل يوم بنزور مكان
 
وكل يوم بنزيد عدد
 
وكل يوم نفتح بيبان
 
وكل يوم بنزيل سدد
 
وكل يوم يطلع بُنا
 
وكل يوم ينزل هدد
 
وكل يوم نحبل غُنا
 
وكل يوم نولد مدد!
 
الله على وجع القصيدة وهى بتتولد من أحشاء الزنزانة زى الشمس لما بتتولد من غبش الصباح، كل اللى أقدر أقوله إنى كنت محظوظ لما الشعر اختارنى ورمى عبايته على كتافى، وشيلنى حموله التقيلة ودفعنى تمن العشق من شبابى وحريتى ورزقى لما عيننى فى وظيفة «شاعر الشعب المصرى» وطلعت أنا الكسبان، شاعر الشعب المصرى يعنى كلمنجى المكلمة، وده اللى خلانى حطيت ودنى على نبض الشارع.
 
اتعلمت من الناس فاتكلمت من الناس ويمكن ده اللى خلانى مختلف عن كل الشعراء الشعبيين أو زى ما بيسموا أنفسهم «شعراء العامية»، كلهم بيفكروا بالفصحى- لغة المؤسسة- ويكتبوا بالعامية لغة الشعب، فيبقى الشريف فيهم والملتزم بيكتب عن الشعب المصرى، لكن أنا نلت شرف إنى باكتب من الشعب، الشعب المصرى وده هو اللى أكسبنى عداء الدولة الناصرية والساداتية والقائمة حتى كتابة هذه السطور وهذا شرف لا أدعيه وتهمة لا أنفيها والحمد لله.
 
ناس بتكتب وتقبض وأنا باكتب وأدفع، وقد تصور البعض أنى مختل عقليا ورهانى خاسر، لكن عذرهم إنهم لم يذوقوا حب الناس ولم يجربوه، أنا وحدى الذى أعرف أننى الكسبان لأن شعرى سيبقى فى أحضان الناس، أما مديح السلطان والتدليس فإلى مزابل التاريخ، لأن السلطان زائل والباقى هو الناس، وأنا راهنت على الباقى، أنا اشتريت وهما باعوا والمثل الشعبى بيقول: الشارى كسبان والبايع خسران!
 
ومن أجمل وأصدق أبيات «أبوالنجوم» التى لا تفارق خيالى وبالى وعقلى وأنا أشاهد تلك الكائنات «النخبوية» التى ملأت حياتنا كلاما فارغا وتافها ومسموما مرة باسم الشعب ومرة باسم الثورة، ومرة باسم الأخلاق، هؤلاء الذين يتقافزون ويتحنجلون ويتنططون من فضائية لأخرى ومن برنامج لبرنامج، هؤلاء هم الذين قال عنهم وفيهم عم «نجم» عام 1968:
محفلط مزفلط، كتير الكلام
 
عديم الممارسة عدو الزحام
 
بكام كلمة فاضية وكام اصطلاح
 
يفبرك حلول المشاكل قوام.
 
معاك حق يا عمنا الكبير وشاعرنا الأكبر وضميرنا الذى لم ينافق أو يوالس أو يطبطب أو يدلع!
تم نسخ الرابط