الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

 

ستشاط «مصطفى النحاس باشا» زعيم حزب الوفد والمعارضة وجن جنونه بعد أن طالع فى جريدة «المصرى» - الوفدية - تصريحاً على لسانه يقول فيه: من حسن حظ مصر أن دستورها منفذ نصاً وروحاً!!

 
راح «النحاس» يضرب كفاً بكف وهو فى حيرة من أمره، كيف تنشر صحيفة الوفد هذا الكلام الفارغ الذى لم ينطق به أصلاً؟! ومن هو المسئول عن هذه الفضيحة السياسية والصحفية؟!
بدأت الحكاية عندما ذهب النحاس باشا إلى احتفال عائلى بشبين الكوم بمناسبة عقد قران إحدى بنات العائلة، وبعد انتهاء عقد القران دعى النحاس باشا إلى حفل فى نادى المديرية، وتصادف وجود عدد كبير من المواطنين جاءوا للترحيب بزعيم الأمة، وتطرق الحديث إلى حالة مصر الراهنة، ويضيف النحاس قائلاً:
 
اشتركت فى الحديث فعزوت كل هذه الجرائم إلى أن دستور البلد غير محترم، وإرادتها غير مصونة، ولو أن الدستور وهو سيد القوانين كانت له منزلته ككل دساتير العالم، وكانت الحياة النيابية لها مكانها واحترامها، لما رأينا ما نراه كل يوم وما نسمعه كل حين من شكوى مرة وغضب جماهيرى.
 
وبعد انتهاء الزيارة اتصلت «بمكرم عبيد» وقصصت عليه ما جرى وقلت له إن استطعت أن تشير إلى هذا الحديث وتنشر منه شيئاً فى الصحف فلا بأس من ذلك.
 
وبالفعل فقد قام مكرم عبيد بالاتصال برئيس تحرير المصرى وأملى عليه حديث النحاس باشا، وفوجئ مكرم عبيد بالمصرى وهى تنشر كلاماً غريباً مؤداه أن من حسن حظ مصر أن دستورها منفذ نصاً وروحاً!!
 
 واتصل مكرم عبيد برئيس التحرير يسأله عن هذا الذى نشر؟! فقال له: إنه لم يكتب شيئاً من هذا وأن الخبر مدسوس عليه!! ومن ثم فقد كلفه مكرم بتحرى الأمر وإخباره!
 
ويقول النحاس باشا فى مذكراته البديعة والرائعة:
 
وجاء رئيس التحرير وقال لنا إنه ظل أكثر من ساعة يحاور ويداور مع الرقيب وأخيراً انتهى إلى نص فيه بعض إشارات، ولكنه أصبح فرأى شيئاً غير الذى اتفق عليه، فثارت ثائرته وانتهى الأمر بتغيير الرقيب، وتأكدت أن رئيس التحرير لم يكتب الخبر ولم يطلع عليه وأنه نشر خلسة من ورائه!!
 
ولم تتوقف القصة عند هذا الحد، فقد اعترف مكرم عبيد «للنحاس باشا» أن مندوب جريدة المصرى فى الدوائر الحكومية يتجسس على الوفد ويدس أخباراً عن السراى ويتعمد أن يشوه أخبار الوفديين، وأن اللجنة المختصة بالصحافة رأت فصله، ولكن «محمود أبوالفتح» صاحب المصرى يعارض فى فصله لأنه لا يستطيع الاستغناء عنه، وبعث «النحاس» باشا يطلب الأستاذ «أبوالفتح» ليكلمه فى هذا الأمر!!
 
ويضيف النحاس باشا فى مذكراته «دراسة وتحقيق الكاتب الصحفى الأستاذ أحمد عز الدين» قائلاً:
 
حضر محمود أبوالفتح ومعه «عبدالحميد عبدالحق» ولما كلمته فى شأن المحرر الذى رأت لجنة الصحافة فصله ولماذا يعارض فيه؟! أجاب أنه شاب نشيط وله مدة طويلة يعمل فى الصحافة وقد كان معه فى جريدة الأهرام قبل إنشاء المصرى وهو معروف فى معظم الدوائر الحكومية!
 
فاقترحت - أى النحاس باشا - حلاً وسطاً وقلت لأبوالفتح: أنا لا أحب أن أحارب أحداً فى رزقه حتى لو كان من خصومنا، ولكن يجب الاحتراس وأخذ الحيطة، ويكفينى فى هذا الصدد ألا ينشر خبر لذلك المحرر، إلا إذا اطلع عليه مدير التحرير - وهو أميننا فى الجريدة - وأقره ولا أريد أن أسمع شكوى من هذا القبيل مرة أخرى، وخرج أبوالفتح وهو موافق على هذا الحل».
 
ثم يرى «النحاس باشا» هذه الواقعة المهمة وتتعلق أيضاً بالصحافة المعارضة له حيث يقول:
 
ألقيت خطابا فى ذكرى تولى الملك سلطته الدستورية من إذاعة «كرلسباد» وسجلته مصر وأذاعته ونشرته الصحف، وإذا بى بصحيفة يديرها «أحمد حسين» رئيس مصر الفتاة تكتب مقالا عنوانه «ليست كابرى كعبة يانحاس»، وغضب الوزراء وأرادوا مصادرة صحيفته أو تقديمه للمحاكمة.
 
ورفض النحاس ذلك الأمر، ثم ينتقل بذكرياته إلى آخر الوزارات التى رأسها «إسماعيل صدقى باشا» فى 16 فبراير 1946 حيث يقول:
 
حصر صدقى همه فى أن يفاوض الإنجليز، فبدأ بسياسة إعلانية وترك الصحافة حرة تكتب ما تشاء، واتخذ من صحيفة «أخبار اليوم» لسان حال له وأخذ «مصطفى أمين» يروج له ولكفاءته الفذة وعبقريته النادرة وأخذ يتقرب من الوفد فأدركت أن وراء الأكمة ما وراءها وما لبث المكتوم أن ظهر.
 
لقد طلب «صدقى» باشا من رئيس الوفد أن يشارك فى هيئة المفاوضات التى ألفها لمفاوضة حكومة العمال البريطانية، ورفض النحاس باشا ذلك معللا: لا يستطيع الوفد أن يشترك فى مفاوضات ودستور البلاد ليس محترماً وبرلمانها تنقصه أغلبية البلاد.
 
ويضيف النحاس باشا: «وبدأ صدقى يرجع إلى طبيعته فأخذ يصادر الصحف الوفدية وينكل بالوفديين ويحاربهم فى أرزاقهم، ووضع حراسة مشددة على دور الصحف ودور كبار الوفديين، وكان لى منها نصيب كبير، فقد كان يتبع سيارتى سيارة مسلحة من الضباط والجنود تراقب حركاتى وسكناتى»!
 
وفى الثانى من أبريل سنة 1946 أصدر بيانا هدد فيه باستعمال أقصى درجات الشدة والعنف ضد الوفد ورجاله وصحافته لأنه يحرض الطلبة والعمال على الإضراب ويقف حجر عثرة فى طريق المفاوضات!
 
ولم يتحمل صدقى فكشر عن أنيابه وظهر على حقيقته ونشط فى العاشر من يوليو وأمر باعتقال أكثر من مائتى شخص من زعماء الطلبة والعمال والصحفيين والكتاب، بل تعدى هذا وأغلق عدداً من دور النشر والصحف المعارضة ومنها صحيفة «الوفد المصرى»، وصادر كل عدد من أعداد «المصرى» يكتب فيه كاتب يرفض الدفاع المشترك بين بريطانيا ومصر واتهم الذين يكتبون ضده بأنهم شيوعيون ينشرون المبادئ الهدامة».
 
ونصل إلى وزارة «النحاس باشا» السابعة والأخيرة ابتداء من 21 يناير سنة 1950 والتى ظلت حتى اليوم التالى لحريق القاهرة الشهير فى 26 يناير سنة 1925، وعن تلك الفترة يقول النحاس:
 
اشتد هجوم بعض الصحف على الملك، كما هاجمت صحف «أخبار اليوم» فؤاد سراج الدين - وزير الداخلية - وبينما نحن فى اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعى عرضت علىّ الصحف التى تهاجم، واقترح بعض الوزراء أن يستدعى مدير الصحافة ليحضر مناقشة هذه المسألة، وحضر فوجه إليه وزير الزراعة «عبداللطيف محمود» القول أنه يعد مذكرة إضافية يطلب فيها من مجلس الوزراء إحالة «أحمد حسين» صاحب جريدة الاشتراكية ورئيس حزب مصر الفتاة، و«مصطفى أمين» صاحب «أخبار اليوم» ومجلة «آخر لحظة» التى نشر فيها الهجوم على «فؤاد سراج الدين»، إلى المحاكمة الأول بتهمة إهانة الذات الملكية، والثانى لأنه أهان معالى وزير الداخلية!
 
اعترض مدير الصحافة قائلاً: ليس من عملى ولا من اختصاصى أن أطلب إحالة صحفيين إلى المحاكمة لأنهما عبرا عن رأيهما!! وإذا كان الذين تعرض لهم هذان الصحفيان يرون فيما نشر مساساً بهم، فعند جلالة الملك مستشار صحفى يبلغ النائب العام إذا شاء، أما معالى وزير الداخلية فعنده إدارة الأمن العام وعنده القضاء والنيابة فإذا شاء فليتقدم بشكواه!
 
احتد وزير الزراعة على مدير الصحافة، وأنا بطبعى أترك للوزراء الحرية فى أن يتناقشوا ويقترحوا فلا أشيد بهم ولا أقاطع أحداً منهم، وزادت حدة الوزير على الموظف فالتفت إلى وقال:
 
إنى بحكم عملى كصحفى أومن بحرية الصحافة وإذا لم تكن حرة فى عهد وزارة الشعب وفى ظلال الدستور فمتى تكون حرة؟ إذا كان رفعتك توافق على هذا الاقتراح وترى أنه لابد منه فتفضل بقبول استقالتى لأنى لا أستطيع أن أنفذ هذا الأمر!
 
وبصراحة شديدة يقول النحاس باشا: رأيت الوزير تعدى الحدود - ولعن الله قوماً ضاع الحق بينهم - وتذكرت الخليفة الأول «أبا بكر الصديق» فى أول خطبة له «الضعيف فيكم قوى عندى حتى أخذ الحق له» ورأيت أن الموظف على حق وأن الوزير ومن أيد رأيه من الوزراء مخطئون، وكانت الكلمة الأخيرة لى فقلت لمدير الصحافة: اجمع أوراقك وعد إلى مكتبك!
 
والتفت إلى الوزراء وقلت لهم إنه على حق، إن الملك لديه مستشار صحافى، ولديك يافؤاد باشا القضاء والنيابة والأمن ولم تجر العادة أن يقدم مجلس الوزراء صحفياً على رأى أبداه!
 
وانصرف الموظف وأبلغ القصر نص المناقشة ولا أدرى من أين، وغضب الملك وبعث بمستشاره ليعتب على الحكومة هذا التصرف، ولم أحفل بهذا العتاب ولا اهتممت به!!
 
ولا تزال الصحافة الحرة تناضل ضد الطغاة فى كل زمان ومكان!!
 
تم نسخ الرابط