بقلم : رشاد كامل
سبق أن قرأت للدكتور «حازم الببلاوى» عشرات أو مئات المقالات التى كان يكتبها على فترات متباعدة سواء فى مجلة «العربى» الشهرية التى تصدر فى الكويت أو فى الأهرام أو الشروق أو المصرى اليوم .. أغلب هذه المقالات صدرت فى كتب بعد ذلك!
اكتشفت هذا الأسبوع أننى أحتفظ فى أرشيفى بواحد من أغرب وأعجب مقالات «د. الببلاوى» الذى نشره فى الأهرام بتاريخ الأحد العاشر من مايو سنة 2009 بعنوان «نعمة النسيان»! نعم المقال بكامله يتحدث فيه «
د. الببلاوى» عن فوائد ونعمة النسيان فى حياة البنى آدمين - الشعب يعنى!
ربما كان هذا المقال بمضمونه الجرىء يفسر سلوك حكومة «د. الببلاوى» بهذا الأداء الذى يشهد له الجميع، فلا يهتم بنقد موضوعى يطال الحكومة، فما أكثر النقد الذى يقول كلاما بلا كلام!..إن المفتاح لفهم «د. الببلاوى» -ولشخصه وعلمه وخبرته كل التقدير - هو إعادة قراءة هذا المقال الذى كتبه ولم يخطر على باله يومها أنه سيجلس على مقعد رئيس الحكومة!
كتب د. حازم الببلاوى فى مقالته «نعمة النسيان» يقول:«نعمتان أنعم الله بهما على الإنسان: الذاكرة والنسيان، أما الذاكرة فهى العنصر الرئيسى لتحقيق هوية الإنسان، فإذا كان الإنسان كجسد يتكون من خلايا فإن هذه الخلايا تموت وتتجدد بشكل مستمر «ربما باستثناء خلايا المخ» بحيث إنك من الناحية البيولوجية إنسان مختلف كل يوم، ففى خلال كل فترة ربما لا تتجاوز ثلاث سنوات تتغير معظم خلايا الجسد، وبالتالى فأنت شخص جديد، والشىء الوحيد الذى يحفظ للإنسان هويته واستمراره هو الذاكرة، فالذاكرة هى الصلة الوحيدة الباقية والمستمرة بين الإنسان وأمسه، ودون ذلك يصبح الكائن كل يوم شيئا جديدا ومختلفا لا صلة له بين ماض ومستقبل، بل إن فكرة المستقبل كلها تتلاشى، فالحياة تصبح لحظات متقطعة!
كذلك فإن الذاكرة هى أيضا أساس التعلم ، والتعلم هو طريق الرقى والتقدم، فالإنسان يتعلم من تجربته وتجربة الآخرين، ودون رابطة بين الأحداث، وبالتالى دون ذاكرة فلا تعلم ولا خبرة، وإذا لم تكن الذاكرة وقفا على الإنسان، حيث إن بعض الكائنات الأخرى تتمتع بدرجات متفاوتة من الذاكرة، فيظل الإنسان هو أكثر الكائنات تمتعا بالذاكرة، وقد طور الإنسان هذه الذاكرة وعمقها بتوسيع مداها بحيث لا تقتصر على تجاربه الشخصية، بل تمتد إلى تجارب الجماعة التى ينتمى إليها، فالإنسان ليس فقط حصيلة تجاربه الشخصية، لكنه أيضا عضو فى جماعة يعرف تاريخها وقصصها من الآباء والأجداد! فالإنسان استمرار وخبرة وانتماء!
ويضيف «د. الببلاوى» فى مقاله المهم قائلا: ولكن الذاكرة ليست مجرد سجل لأحداث مضت، وإنما هى الخطوة الأولى والأساسية فى الذكاء والتفكير المنطقى، ومن ثم فهى أساس العقل، فالذاكرة ليست مجرد أرشيف للأحداث والوقائع، وإنما هى بنيان معقد ترتبط فيها الأمور بعلاقات منطقية من السببية، فضلا عن ترتيب زمنى للأحداث والوقائع.. فإنسان بلا ذاكرة هو كائن بلا عقل!.. و.. ولكن نعمة الذاكرة وحدها قد تصبح مرهقة ينوء بحملها الإنسان، ولذلك فقد أنعم الله على البشر بنعمة مكملة أخرى، وهى النسيان، فأنت لست فى حاجة إلى تذكر كل تفاصيل حياتك من يوم مولدك، فأغلبها تفاصيل تافهة ومكررة ولا معنى لها، ونظرا لأن قدرة ذاكرة الإسان وطاقتها محدودة فإنه من الملائم استخدام هذه الطاقة بكفاءة فيما هو أكثر أهمية، ولذلك فمن الأفضل ألا تحتفظ فيها بكل التفاصيل، بل من المصلحة أن تتخلص من جانب منها دون خسارة كبيرة، كذلك فإن النسيان لا يقتصر فقط على الأمور الأقل أهمية، بل إنه يتعلق أحيانا بأمور أخرى بالغة الأهمية، لكنها مؤلمة، ولذلك فإن النسيان يعتبر علاجا صحيا لتخفيف الآلام على الفرد، فأنت تفقد عزيزا الأب أو الأم أو الأخ وهى ذكرى غالية ولكنها مؤلمة، ومن هنا يأتى النسيان كعلاج للفرد وبما يمكنه من الاستمرار فى حياته العادية بدرجة أقل من الألم، وهكذا فإن النسيان يعتبر نعمة كبرى لاستمرار الحياة وتقدمها دون منغصات شديدة.
وإذا كانت الذاكرة والنسيان من نعم الله الكبرى، فلا يقل أهمية أن يقوم نوع من التوازن بينهما، فإذا كانت الذاكرة قوية وطاغية بما لا يدع مجالا للنسيان، فإن حياة الإنسان تصبح مرهقة وقاسية، بل قد يصعب عليه اتخاذ القرارات عندما يسترجع فى كل لحظة وعند كل قرار تاريخه وأحداثه بما يضعه أمام آلاف الاحتمالات المتناقضة، وعلى العكس فإذا غلب النسيان على الذاكرة بحيث لا يكاد الفرد يتذكر شيئا من خبرته السابقة، فإنه يفقد عقله وهويته! ولذلك فمن المطلوب أن يتحقق لدى كل فرد قدر من التوازن بين الذاكرة والنسيان، فعلاقة التوازن بين الذاكرة والنسيان أشبه بالمشكلة الاقتصادية فى حسن استخدام الموارد وذلك بتوظيف طاقات المخ وخلاياه المحدودة للتذكر دون إغراقها بالتفاصيل فيما لا طاقة لها به، أو فائدة منها من ناحية، ولكن أيضا دون تركها معطلة وغير مستخدمة من ناحية أخرى، فالنسيان صمام أمام الذاكرة يسمح بالاستخدام الأمثل لها دون إفراط أو تفريط!
ثم يتساءل «د. الببلاوى»: ولكن لماذا كل هذا الحديث؟ فأنا لست متخصصا فى هذه القضايا وليس لدىَّ ما أقدمه للقارئ بما يخرج عن المعلومات العامة المتاحة للجميع، فما هى مناسبة هذا الحديث الذى يأتى خارج السياق؟!
وعن السؤال وإجابته يقول د. الببلاوى: المناسبة هى أننى كنت أشاهد أحد برامج التليفزيون ورأيت أخبار مرض أنفلونزا الخنازير الذى ظهر أخيرا فى أمريكا والمكسيك، وهنا تذكرت أننا كنا منذ عدة سنوات نتحدث فى مصر عن أنفلونزا الطيور، وجاءت كل تصريحات المسئولين - آنذاك - مؤكدة أن مصر خالية من أنفلونزا الطيور ثم بدأنا نسمع بعد ذلك عن بعض الحالات المتفرقة فى مصر، وأخيرا ومنذ فترة قصيرة أعلن أن أنفلونزا الطيور قد أصبحت مرضا متوطنا فى مصر، بل ربما هى البلد الوحيد الذى توطنت فيه هذه الموجة الوبائية، فهل هذا صحيح؟ وكيف يستقيم الأمر بأن يصبح هذا المرض متوطنا فى مصر على الرغم من كل التصريحات السابقة؟! فأين الخطأ؟ ومن المسئول؟ هل فقدنا ذاكرتنا؟!!!!!! (علامات التعجب من عندى وليست من عند د.الببلاوى)..واليوم أفتح الجريدة وإذا بالخبر المنشور فى الصفحة الأولى هو خروج الجامعات المصرية من ذيل الترتيب العالمى لأفضل 500 جامعة، وكانت مصر قد دعت أحمد زويل بعد حصوله على جائزة نوبل فى الكيمياء للمعاونة فى تقدم البحث العلمى فى الجامعات المصرية، ونشرت الصحف المقابلات والتصريحات عن مستقبل البحث العلمى، وهاهى النتيجة تراجع لمكانة الجامعات المصرية
ومندهشا ومتعجبا يمضى د. الببلاوى قائلا: أليس من الغريب مرور هذه الأخبار مرور الكرام أمام أعيننا وكأنها مجرد حوادث مرور أخرى، فلا مساءلة أو مسئولية.. لماذا وكيف يحدث ذلك؟ لأننا ببساطة ننسى أو نتناسى، يبدو أن جرعة النسيان موجودة عند الشعب المصرى بدرجة زائدة على الحد! فلم يعد أحد يعبأ بما يقوله اليوم، لأن الشعب المصرى وقد ابتلاه الله بتخمة من النسيان سوف ينسى بعد غد! وليس هذا هو المثال الوحيد، انظر مثلا إلى مشكلة السكان فى مصر وحيث عقد المؤتمر الدولى للسكان بها منذ نحو خمس عشرة سنة، وبدا معها أن الدولة مهتمة بتنظيم الأسرة وأنشئت وزارة للسكان ومبنى جميل على الكورنيش لهذا الغرض، بل نصبت الحكومة «ساعة سكانية» حتى لا ننسى، ولكننا نسينا واقترب عدد السكان من الثمانين مليونا، وضاعت قضية السكان - فيما يبدو - فى طى النسيان!..بالطبع لم يتصور د. الببلاوى أنه بعد خمس سنوات من كتابة مقاله سوف نصبح 49 مليونا فى عين العدو ثم يضيف قائلا:وتستطيع أن تعدد القضايا التى تبرز فجأة، حيث تعقد المؤتمرات وتكثر الأحاديث عن مشروعات وردية قادمة وبنود فى الميزانية لتختفى بعد ذلك من جديد وتسقط بدورها ويطويها النسيان، وتتعدد «الهوجات» بين إعلان ونسيان، فهناك هوجة الاهتمام بالتعليم والمعلم، وهناك هوجة ضبط المرور ونظافة الشوارع، ثم هوجة الحكم المحلى، وهوجة منع تجريف الأراضى الزراعية، وهناك.. وهناك، فالقائمة طويلة، وكلها «صرعات» كصرعات الموضة تبرز لحظة لتختفى بعدها وتحل محلها صرعة أخرى، ولست أدرى فى أى صرعة نعيش الآن، فقد نسيت أنا الآخر، فالنسيان نعمة!
وأخيرا يختتم د. الببلاوى مقاله بهذه السطور المهمة فيقول:«يحمل الشعب المصرى على كتفيه واحدا من أقدم الحضارات وتاريخا طويلا ومتنوعا، ومن ثم له ذاكرة جماعية عريقة وقديمة وطويلة، لكن هذا الشعب فيما يبدو من خلال تجارب طويلة ومريرة اكتشف - بحكمته - مع كثرة ما أصابه من إحباطات وخيبات أمل أنه فى حاجة إلى النسيان، فالنسيان عند الشعب المصرى ليس نعمة لزيادة كفاءة استخدام الذاكرة فيما هو أكثر أهمية بقدر ما هو علاج إزاء قلة الإنجازات وندرتها.. فلماذا وجع الدماغ إذن؟!
النسيان أو التناسى ليس فقدانا مؤقتا للذاكرة، وإنما هو هروب مقصود من الواقع، فمتى يستعيد الشعب ذاكرته وينشطها لمحاسبة المقصرين؟! الله أعلم».
انتهى المقال وأردد نفس سؤال د. الببلاوى: متى يستعيد الشعب ذاكرته وينشطها لمحاسبة المقصرين؟! وأقول كما قال د. الببلاوى: الله أعلم.



