بقلم : رشاد كامل
لا توجد مناسبة للكتابة عن مواطن مصرى أصيل اسمه «سامى رافع»، فالرجل لم يكن مرشحا لمنصب وزارى، ولم يكن لاعبا للكرة فى أندية القمة، ولم ينافس على مكانة السادة «أوكا وأورتيجا»، وليس خبيرا استراتيجيا أو محللا نخبويا يقفز من محطة فضائية لأخرى متحدثا عن الملل الزوجى أو تفسير الأحلام أو الأزمة الأوكرانية، ودلالات المأزق الحزبى المعاصر!
سامى رافع، وهو دكتور بحق وحقيق وليس من حملة تلك الشهادات المضروبة لا يعرف شيئا من ذلك كله، ولن تراه عبر الفضائيات، كما يفعل الآلاف يتكلمون عما لا يعرفون أو يكتبون عما لا يعلمون!
د. سامى رافع الذى لا يكاد لا يعرفه أحد، تعرفه مصر فنانا أصيلا احترف صناعة الجمال والدعوة للجمال البصرى، ورسالته البسيطة العميقة أن يجعل عينيك لا ترى إلا كل ما هو جميل!
ود. سامى رافع إذا كنت لا تعلم هو صاحب تصميم النصب التذكارى عند المنصة، وهو صاحب اللوحات الجميلة والبديعة التى تزين حوائط أنفاق مترو الأنفاق «91 محطة تتألق برسومه وتصميماته المصرية الأصيلة!» ويراها كل يوم أكثر من مليونى راكب لا يعرفون اسم صاحبها!
وهو صاحب تصميم عشرات من طوابع البريد فى مناسبات مختلفة من أعياد ثورة يوليو 2591 حتى يوم أفريقيا، وكذلك تصميم العديد من العملات التذكارية وتصميم ورسم أكثر من أربعين غلافا لكتب متنوعة.
وأدهشنى أن أعرف أن ابن حى السكاكينى هو نفسه مصمم الديكور المسرحى وأيضا الباليه والمسرح العالمى ومن أعماله: ماكبث والمجهول والبحار المسكين والناى السحرى وغيرها من الأعمال الفنية المتنوعة.
فى طفولته عشق سامى رافع الموسيقي وتمنى لو أصبح موسيقارا، لكنه افتقد القدوة، فاتجه إلى عشق الرسم، حيث كان أخوه الأكبر «سمير» من طليعة الحركة الفنية التشكيلية الحديثة، ومن ثم جاء التحاقه بكلية الفنون الجميلة وكان أول الناجحين العشرين، وبعد التخرج أصبح معيدا ليبدأ مشوار التألق والنجاح.
وتكتب عنه مجلة «الهلال» فى أغسطس 2691 فى باب شارع النجاح.. «الحظ سابقا» فتقول: إن سامى رافع 92 سنة أعد حقائبه وسافر إلى فيننا منذ أيام وسوف يعود من بعثته بعد أربع سنوات ليعيش فى شارع العمالقة».
يعترف د. سامى رافع ببساطة شديدة: أعمالى أشهر منى ولكنها ليست مشكلتى، لكن مشكلة الوضع الاجتماعى الذى فرض ظهور الأدباء والشعراء والفنانين فقط، وكثيرا ما تسببت هذه المواقف لى بالإحباط، وأذكر بعد أن انتهينا من إنشاء النصب التذكارى وذهبت لأشاهده ولأسعد بمجهودى فوجئت بالحرس وهم يرفعون علىّ أسلحتهم وسألونى من أنت؟ ما كلمة السر؟! فأنقذت نفسى من القتل بالرد عليهم أنى سامى رافع المكتوب اسمه على شاهد القبر فتركونى ونجوت من الموت!
سامى رافع رسام مصور ونحات وخزاف ومهندس ديكور ومصمم وصاحب بصمة فنية لا تخطئها العين، وصاحب قلب محب لكل الناس، فقرر أن يحول هذا الحب إلى مصدر سعادة لهم حتى لو لم يذكروا اسمه كمبدع وصانع لكل ذلك.
فالرجل ليس له شلة تطبل له، ولا عالى الصوت، ولا يحترف الظهور الإعلامى ولا يبحث عن الشهرة المجوفة التى يحظى بها مئات الآلاف من الأونطجية النخبوية!
ويكفى أن أعماله كانت محل إعجاب الملايين من المصريين يوميا فى ذهابهم ومجيئهم وهم يستقلون مترو الأنفاق، ويعجبون ويندهشون من تلك الجداريات الرائعة والمبهجة حتى لو لم يعرفوا اسم صاحبها!
هذا الأسبوع فاجأنى د. سمير رافع بإهدائى كتابا بديعا يضم معظم ما كتب عنه وعن مشواره الإبداعى من مقالات وحوارات على مدى نصف قرن تلخص رحلته مع «الجمال» وحب «الجمال» تحت عنوان «سامى رافع من خلال الفنون التشكيلية المتصلة بالجماهير».
ويا عزيزى د. سامى رافع وحتى لو لم تعرف الملايين اسمك، فنفس هذه الملايين تستمتع بإبداعك كل يوم تحت الأرض!



